فهرس الكتاب
القاعدة الرابعة عشر
دلالة الأسماء التي تطلق على الله تعالى وعلى العبد
قال العلامة ابن القيم الجوزية رحمه الله تعالى:
الرابع عشر: أن الإسم والصفة من هذا النوع له ثلاث اعتبارات:
اعتبار من حيث هو، مع قطع النظر عن تقييده بالرب أو العبد.
الاعتبار الثاني: اعتباره مضافا إلى الرب مختصا به.
الثالث: اعتباره مضافا إلى العبد مقيدا به.
فما لزم الإسم لذاته وحقيقته، كان ثابتا للرب والعبد، وللرب منه ما يليق بكماله، وللعبد منه ما يليق به.
وهذا كاسم السميع الذي يلزمه إدراك المسموعات، والبصير الذي يلزمه رؤية المُبْصَرات، والعليم والقدير وسائر الأسماء، فإن شرط صحة إطلاقها: حصول معانيها وحقائقها للموصوف بها.
فما لزم هذه الأسماء لذاتها؛ فإثباته للرب تعالى لا محذور فيه بوجه، بل تثبت له على وجه لا يماثل فيه خلقه ولا يشابههم، فمن نفاه عنه لإطلاقه على المخلوق ألحد في أسمائه وجحد صفات كماله. ومن أثبته له على وجه يماثل فيه خلقه فقد شبهه بخلقه، ومن شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن أثبته له على وجه لا يماثل فيه خلقه، بل كما يليق بجلاله وعظمته؛ فقد بريء من فَرْث التشبيه ودَمِ التعطيل وهذا طريق أهل السنة.
وما لزم الصفة لإضافتها إلى العبد وجب نفيه عن الله، كما يلزم حياة العبد من النوم والسِّنة والحاجة إلى الغذاء ونحو ذلك. وكذلك ما يلزم إرادته من حركة نفسه في جلب ما ينتفع به ودفع ما يتضرر به. وكذلك ما يلزم علوه من احتياجه إلى ما هو عال عليه، وكونه محمولا به مفتقرا إليه محاطا به، كل هذا يجب نفيه عن القدوس السلام تبارك وتعالى.
وما لزم صفة من جهة اختصاصه تعالى بها؛ فإنه لا يثبت للمخلوق بوجه، كعلمه الذي يلزمه القدم والوجوب والإحاطة بكل معلوم، وقدرته وإرادته وسائر صفاته، فإن ما يختص به منها لا يمكن إثباته للمخلوق، فإذا أحطت بهذه القاعدة خُبْرًا وعقلتها كما ينبغي خلصت من الآفتين اللتين هما أصل بلاء المتكلمين: آفة التعطيل، وآفة التشبيه، فإنك إذا وفيت هذا المقام حقه من التصور أثبت لله الأسماء الحسنى والصفات العلى حقيقة، فخلصت من التعطيل، ونفيت عنها خصائص المخلوقين ومشابهتهم، فخلصت من التشبيه، فتدبر هذا الموضع واجعله جُنَّتك التي ترجع إليها في هذا الباب، والله الموفق للصواب. [1]
قلت:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وأصل هذا أن ما يوصف الله به، ويوصف به العباد، يوصف الله به على ما يليق به، ويوصف به العباد بما يليق بهم من ذلك، مثل الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام، فإن الله له حياة وعلم وقدرة وسمع وبصر وكلام، فكلامه يشتمل على حروف وهو يتكلم بصوت نفسه، والعبد له حياة وعلم وقدرة وسمع وبصر وكلام، وكلام العبد يشتمل على حروف وهو يتكلم بصوت نفسه.
فهذه الصفات لها ثلاث اعتبارات:
تارة تعتبر مضافة إلى الرب.
وتارة تعتبر مضافة إلى العبد.
وتارة تعتبر مطلقة لا تختص بالرب والعبد. [2]
(1) بدائع الفوائد - 1/ ص 290 - 292.
(2) قلت: أي الوصف عند التجرد.