فهرس الكتاب
فإذا قال العبد: حياة الله وعلم الله وقدرة الله وكلام الله ونحو ذلك، فهذا كله غير مخلوق ولا يماثل صفات المخلوقين، وإذا قال علم العبد وقدرة العبد وكلام العبد، فهذا كله مخلوق ولا يماثل صفات الرب، وإذا قال العلم والقدرة والكلام، فهذا مجمل مطلق لا يقال عليه أنه مخلوق ولا أنه غير مخلوق، بل ما اتصف به الرب من ذلك فهو غير مخلوق، وما اتصف به العبد من ذلك فهو مخلوق، فالصفة تتبع الموصوف؛ فإن كان الموصوف هو الخالق فصفاته غير مخلوقة، وإن كان الموصوف هو العبد المخلوق فصفاته مخلوقة.) [1]
وقال: (فإنه يجب تنزيه الرب عنها، وينفي عنه مماثلة المخلوقات، فإنه كما يجب تنزيه الرب عن كل نقص وعيب يجب تنزيهه عن أن يماثله شيء من المخلوقات في شيء من صفات الكمال الثابتة له، وهذان النوعان يجمعان التنزيه الواجب لله، و(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) ، دلت على النوعين. فقوله: (أَحَدٌ) ، مع قوله: (وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ) ينفي المماثلة والمشاركة، وقوله: (الصَّمَدُ) ، يتضمن جميع صفات الكمال، فالنقائص جنسها منفي عن الله تعالى وكل ما اختص به المخلوق، فهو من النقائص التي يجب تنزيه الرب عنها، بخلاف ما يوصف به الرب، ويوصف العبد بما يليق به، مثل العلم والقدرة والرحمة، ونحو ذلك، فإن هذه ليست نقائص، بل ما ثبت لله من هذه المعاني، فإنه يثبت لله على وجه لا يقاربه فيه أحد من المخلوقات، فضلا عن أن يماثله فيه، بل ما خلقه الله في الجنة من المآكل والمشارب والملابس، لا يماثل ما خلقه في الدنيا وإن اتفقا في الاسم، وكلاهما مخلوق. قال ابن عباس رضي الله عنهما: (ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء) [2] ، فقد أخبر الله أن في الجنة لبنًا وخمرًا وعسلًا وماءً وحريرًا وذهبًا وفضةً، وتلك الحقائق ليست مثل هذه، وكلاهما مخلوق. فالخالق تعالى أبعد عن مماثلة المخلوقات من المخلوق إلى المخلوق.
وقد سمى الله نفسه عليمًا، حليمًا، رؤوفًا، رحيمًا، سميعًا، بصيرًا، عزيزًا، ملكًا، جبارًا، متكبرًا، مؤمنًا، عظيمًا، كريمًا، غنيًا، شكورًا، كبيرًا، حفيظًا، شهيدًا، حقًا، وكيلًا، وليًا، وسمى أيضًا بعض مخلوقاته بهذه الأسماء، فسمى الإنسان سميعًا بصيرًا، وسمى نبيه رؤوفًا رحيمًا، وسمى بعض عباده ملكًا، وبعضهم شكورًا، وبعضهم عظيمًا، وبعضهم حليمًا وعليمًا، وسائر ما ذكر من الأسماء، مع العلم بأنه لَيْسَ الْمُسَمَّى بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ مِنْ الْمَخْلُوقِينَ مُمَاثِلًا لِلْخَالِقِ جَلَّ جَلَالُهُ في شيء من الأشياء.). [3]
وقال: قال ابن عباس: (ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء) رواه الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس، وقد رواه غير واحد منهم محمد ابن جرير الطبري في التفسير في قوله: (وأتوا به متشابها) (سورة البقرة/25) .
وإذا كان بين المخلوق والمخلوق قدر فارق مع نوع من إثبات القدر المشترك الذي يقتضي التناسب والتشابه من بعض الوجوه، فمعلوم أن ما بين الخالق والمخلوق من المفارقة والمباينة أعظم مما بين المخلوق والمخلوق، فهذا مما يوجب نفي مماثلة صفاته لصفات خلقه، ويوجب أن ما بينهما من المباينة والمفارقة أعظم مما بين مخلوق ومخلوق مع أنه لولا أن بين مسمى الموجود والموجود، والحي والحي، والعليم والعليم، والقدير والقدير، وأمثال ذلك من المعنى المتفق المتواطئ المناسب والمتشابه ما يوجب فهم المعنى لم يفهمه، ولا أمكن أن يفهم أحد ما أخبر به عن الأمور الغائبة). [4]
وقال: (أن أسماء الله - مثل العليم والقدير والرحمن والرحيم - دالة على نفسه المقدَّسةِ بما لها من نفسِ علمِه وقدرته ورحمته، وهذا الاسم الذي دلَّ على هذا المعنى لا يجوز أن يُسمَّى به سِواه أصلًا، وإذا أطلقناه على المخلوق وقلنا في الإنسان: سميع بصير، فهذا الاسم الذي دلَّ على حقيقة سَمْع المخلوق وبَصرِه لا يُسمَّى الله به
(1) جامع الرسائل/ شيخ الإسلام ابن تيمية - الجزء الثالث/ مسألة الأحرف التي أنزلها الله على آدم عليه السلام، نسخة الكترونية، ومجموعة الرسائل والمسائل لابن تيمية، علق عليه: السيد محمد رشيد رضا، 3/ 54 - 55، الناشر لجنة التراث العربي، ومصدر الكتابين من موقع الوراق: http://www.alwaraq.net
(2) وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (ليس في الجنة شيء مما في الدنيا إلا الأسماء) ، رواه البيهقي موقوفا بإسناد جيد. انظر صحيح الترغيب والترهيب/ محمد ناصر الدين الشيخ الألباني (المتوفى 1420 هـ) ، الناشر مكتبة المعارف - الرياض، الطبعة الخامسة، الحديث/3769، 3/ 274.علق عليه الشيخ الألباني/صحيح.
(3) مجموع الفتاوى/ شيخ الإسلام ابن تيمية، 17/ 325.
(4) درء تعارض العقل والنقل أو موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول/ شيخ الإسلام ابن تيمية، 6/ 124 - 125.