فهرس الكتاب
قطُّ، وأما الاسم المطلق الذي لا يُضاف فهو دالٌّ على القدر المشترك. فالاسم وإن كان لفظه قبلَ الإضافة والتعريف واحدًا، فهو بالإضافة والتعريف يصير دالًّا على أكثر مما كان دالًّا عليه حينَ التجرُّد). [1]
فائدة
(الألفاظ المتواطئة لها دلالتان حقيقيتان:
الأولى: دلالة حالة الإطلاق؛ فإذا أطلقت هذه الألفاظ دلّت على القدر المشترك بين الخالق والمخلوق، وهو المعنى العام للفظ ولوازمه؛ لأنّ ثبوت الملزوم يقتضي ثبوت اللازم.
والقدر المشترك من لوازم الوجود، ولا محذور في إثباته أَلْبَتَّة، لجملة أسباب، منها:
1 ـ أنّ المراد بالقدر المشترك، الاشتراك في معنى اللّفظ ولوازمه، وأنّ المعنى العام يطلق على الربّ والعبد، لأنّهما يشتركان في كليّات مطلقة في الخارج، أو يشتركان فيما يختصّ به أحدهما.
2 ـ أنّ القدر المشترك كلّي مطلق، لا يختصّ بأحدهما دون الآخر، فلا يستلزم إثباته الوقوع في التّشبيه الباطل عقلًا ونقلًا؛ إذ لم يقع بينهما اشتراك، لا فيما يختصّ بالممكن المحدث، ولا فيما يختصّ بالواجب القديم.
3 ـ أنّ القدر المشترك لا يقتضي إثبات ما يمتنع على الربِّ، ولا نفي ما يستحقّه، وكذلك لازمه؛ فإنّه لا يقتضي حدوثًا، ولا إمكانًا، ولا نقصًا، ولا شيئًا ممّا ينافي صفات الرّبوبيّة.
4 ـ أنّ القدر المشترك من لوازم الوجود؛ فكلّ موجودين لا بُدّ بينهما من مثل هذا، ومن نفاه لزمه التّعطيل التام؛ ولهذا لمّا اطّلع الأئمة على أنّ هذا حقيقة قول الجهميّة سمّوهم معطّلة؛ لأنّ رفع القدر المشترك ألزمهم تعطيل وجود كلّ موجود!
الثّانية: دلالة حالة التقييد؛ فإذا قيّدت هذه الأسماء المتواطئة بإضافة، أو تعريف دخلت الخصائص في مسمّاها، وكان ظاهر ما أضيف للربّ إنّما يدلّ على ما يليق ويختصّ به، وظاهر ما أضيف للمخلوق إنّما يدلّ على ما يليق ويختصّ به. وهذا ثابت حتَّى بين المخلوقات؛ فإنّ أسماء النّعيم إذا أطلقت دلّت على القدر المشترك بين موجودات الدّنيا والآخرة، وإذا قيّدت بتعريف أو إضافة كان ظاهر ما أضيف للجنة مغايرًا لما أضيف للدنيا من النّعيم؛ ولهذا قال ابن عبّاس: (ليس في الدّنيا من الجنّة شيء إلاّ الأسماء) ، فإذا كان تماثل الأسماء حال التقييد لا يستلزم تماثل حقائق المخلوقات فلأن لا يستلزمه بين الخالق والمخلوق من باب أولى؛ إذ للربّ ما يليق به، وللمخلوق ما يليق به؛ ولهذا سمّى الله نفسه بأسماء، وسمّى صفاته بأسماء تماثل أسماء عباده، وأسماء صفاتهم عند الإطلاق ولم يلزم من ذلك تماثلهما عند التقييد، فكانت أسماؤه وصفاته مختصّة به إذا أضيفت إليه، لا يشركه فيها غيره، فقد سمّى نفسه حيًّا، فقال: (اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) (البقرة/255) ، وسمّى بعض عباده حيًّا، فقال: (يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ) (الأنعام/95) ، وليس هذا الحيّ مثل هذا الحيّ؛ لأنّ اسم الحيّ مضاف مختصّ في كلا الموضعين، وكذلك سمّى نفسه عليمًا حليمًا، وسمّى بعض عباده عليمًا، وسمّى آخر حليمًا، فقال: (وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ) (الذَّاريات/28) ، وقال: (فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ) (الصافات/101) ، وليس العليم كالعليم، ولا الحليم كالحليم. ونظائر هذا متعدّدة.
وكذلك سمّى صفاته بأسماء، وسمّى صفات عباده بنظير ذلك، فقال: (أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ) (النِّساء/166) ، وقال: (إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) (الذّاريات/58) ، وقال: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) (طه/5) ، وقال: (وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ) (يوسف/76) ، وقال: (ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً) (الرّوم/54) ، وقال: (لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ) (الزّخرف/13) ، وليس العلم كالعلم، ولا القوّة كالقوّة، ولا الاستواء كالاستواء. فلا بُدّ من إثبات هذا النّوع من الأسماء والصّفات على قاعدة التنزيه، وذلك باعتقاد أنّ العبد وإن وصف بهذا النّوع في الجملة إلاّ أنّ الربّ
(1) جواب الاعتراضات المصرية على الفتيا الحموية (قطعة منه) / شيخ الاسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (المتوفى 728 هـ) ، تحقيق محمد عزير شمس، الناشر دار عالم الفوائد - مكة، الطبعة الأولى 1429 هـ - 2008 م ص 129 - 130.