فهرس الكتاب
القاعدة الخامسة عشر
ما يلزم من الصفات وما لا يلزم
قال العلامة ابن القيم الجوزية رحمه الله تعالى:
الخامس عشر: أن الصفة متى قامت بموصوف لزمها أمور أربعة: أمران لفظيان وأمران معنويان.
فاللفظيان: ثبوتي وسلبي، فالثبوتي: أن يشتق للموصوف منها اسم، والسلبي: أن يمتنع الاشتقاق لغيره.
والمعنويان: ثبوتي وسلبي، فالثبوتي: أن يعود حكمها إلى الموصوف ويخبر بها عنه، والسلبي: أن ... لا يعود حكمها إلى غيره، ولا يكون خبرا عنه.
وهذه قاعدة عظيمة في معرفة الأسماء والصفات، فلنذكر من ذلك مثالا واحدا وهي: صفة الكلام، فإنها إذا قامت بمحل كان هو المتكلم دون من لم تقم به، وأخبر عنه بها، وعاد حكمها إليه دون غيره، فيقال: قال وأمر ونهى ونادى وناجى وأخبر وخاطب وتكلم وكلم، ونحو ذلك، وامتنعت هذه الأحكام لغيره، فيستدل بهذه الأحكام والأسماء على قيام الصفة به وسلبها عن غيره وعلى عدم قيامها به، وهذا هو أصل السنة الذي ردوا به على المعتزلة والجهمية، وهو من أصح الأصول طردا وعكسا. [1]
قلت:
قال شيخ الاسلام ابن تيمية:(وهنا أربع مسائل، مسألتان عقليتان ومسألتان سمعيتان لغويتان:
الأولى: أن الصفة إذا قامت بمحل عاد حكمها إلى ذلك المحل فكان هو الموصوف بها فالعلم والقدرة والكلام والحركة والسكون إذا قام بمحل كان ذلك المحل هو العالم القادر المتكلم أو المتحرك أو الساكن.
الثانية: أن حكمها لا يعود على غير ذلك المحل فلا يكون عالما بعلم يقوم بغيره ولا قادرا بقدرة تقوم بغيره ولا متكلما بكلام يقوم بغيره ولا متحركا بحركة تقوم بغيره وهاتان عقليتان.
الثالثة: أنه يشتق لذلك المحل من تلك الصفة اسم إذا كانت تلك الصفة ممّا يشتق لمحلها منها اسم، كما إذا قام العلم أو القدرة أو الكلام أو الحركة بمحل، قيل: عالم أو قادر أو متكلم أو متحرك بخلاف أصناف الروائح التي لا يشتق لمحلها منها اسم.
الرابعة: أنه لا يشتق الاسم لمحل لم يقم به تلك الصفة، فلا يقال لمحل لم يقم به العلم أو القدرة أو الإرادة أو الكلام أو الحركة إنه عالم أو قادر أو مريد أو متكلم أو متحرك.
والجهمية والمعتزلة عارضوا هذا بالصفات الفعلية، فقالوا: إنه كما أنه خالق عادل بخلق وعدل لا يقوم به بل هو موجود في غيره، فكذلك هو متكلم مريد بكلام وإرادة، لا تقوم به بل يقوم الكلام بغيره ممن سلم لهم هذا النقص، كالأشعري ومن اتبعه من أصحاب مالك والشافعي وأحمد أظهر تناقضهم ولم يجيبوهم بجواب مستقيم.
وأما السلف وجمهور المسلمين من جميع الطوائف فإنهم طردوا أصلهم وقالوا: بل الأفعال تقوم به كما تقوم به الصفات والخلق ليس هو المخلوق، وذكر البخاري أن هذا إجماع العلماء، ومن قال الصفات تنقسم إلى صفات ذاتية وفعلية، ولم يجعل الأفعال تقوم به، فكلامه فيه تلبيس فإنه سبحانه لا يوصف بشيء لا يقوم به وإن سلم أنه يتصف بما لا يقوم به، فهذا هو أصل الجهمية الذين يصفونه بمخلوقاته يقولون: إنه متكلم ومريد وراض وغضبان ومحب ومبغض وراحم لمخلوقات يخلقها منفصلة عنه لا بأمور تقوم بذاته). [2]
(1) بدائع الفوائد - 1/ ص 292 - 293.
(2) شرح العقيدة الأصفهانية/ شيخ الاسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى 728 هـ) ، تحقيق محمد بن رياض الأحمد، الناشر المكتبة العصرية - بيروت، الطبعة الأولى، 1425 هـ، ص 109 - 110.