فهرس الكتاب
قال شيخ الاسلام ابن تيمية: (القريب والبعيد: لَيْسَ فِي أَسمَاء الله الْبعيد وَلَا وَصفه بذلك أحد من سلف الْأمة وأمتها بل هُوَ موصوف بِالْقربِ دون الْبعد، وَفِي الحَدِيث الْمَشْهُور فِي التَّفْسِير أَن الْمُسلمين قَالُوا: يَا رَسُول الله أَقَرِيب رَبنَا فنناجيه أم بعيد فنناديه، فَأنْزل الله:(وَإِذا سَأَلَك عبَادي عني فَإِنِّي قريب) (الْبَقَرَة/186) وَهَذَا يَقْتَضِي وَصفه بِالْقربِ دون الْبعد، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن أبي مُوسَى عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ لأَصْحَابه لما جعلُوا يرفعون أَصْوَاتهم بِالتَّكْبِيرِ: (أَيهَا النَّاس اربعوا على أَنفسكُم فَإِنَّكُم لَا تدعون أَصمّ وَلَا غَائِبا إِنَّمَا تدعون سميعا قَرِيبا إِن الَّذِي تَدعُونَهُ أقرب إِلَى أحدكُم من عنق رَاحِلَته) .
وَإِنَّمَا الْوَاجِب أَن يُوصف بالعلو والظهور كَمَا قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الحَدِيث الصَّحِيح: (أَنْت الظَّاهِر فَلَيْسَ فَوْقك شيء وَأَنت الْبَاطِن فَلَيْسَ دُونك شيء) ، وَقَالَ تَعَالَى: (وَهُوَ الْعلي الْعَظِيم) (الْبَقَرَة/255) فَلَو قَالَ هُوَ (الْعلي الْقَرِيب) كَانَ حسنا صَوَابا وَكَذَلِكَ لَو قَالَ (قريب فِي علوه عَليّ فِي دنوه) .
فَأَما وَصفه بِأَن الْقَرِيب الْبعيد فَلَا أصل لَهُ بل هُوَ وصف بأسم حسن وبضده، كَمَا لَو قيل العلى السافل اَوْ الْجواد الْبَخِيل اَوْ الرَّحِيم القاسي وَنَحْو ذَلِك وَالله تَعَالَى لَهُ الْأَسْمَاء الْحسنى وَإِنَّمَا يُؤْتِي مثل هَؤُلَاءِ من الْقيَاس الْفَاسِد لما سَمِعُوهُ يخبر عَن نَفسه بِأَن الأول الآخر الظَّاهِر الْبَاطِن قاسوا على ذَلِك الْقَرِيب والبعيد وَهَذَا خطأ لِأَن تِلْكَ الْأَسْمَاء كلهَا حَسَنَة دَالَّة على كَمَال إحاطته مَكَانا وزمانا وَأما هَذَا فَهُوَ جمع بَين الإسم الْحسن وضده). [1]
(1) الاستقامة/ شيخ الاسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى 728 هـ) ، تحقيق: د. محمد رشاد سالم، الناشر جامعة الإمام محمد بن سعود - المدينة المنورة، الطبعة الأولى، 1403، 1/ 139 - 141.