الصفحة 78 من 263

الرب ويتميز به عن غيره، وقد قال من قال من العلماء إن مثل أسمائه (الخافض الرافع والمعز المذل والمعطي المانع والضار النافع) [1] لا يذكر ولا يدعى بأحد الاسمين الذي هو مثل (الضار النافع، والخافض الرافع) [2] لأن الاسمين إذا ذكرا معًا دلّ ذلك على عموم قدرته وتدبيره وأنه لا رب غيره وعموم خلقه وأمره فيه مدح له وتنبيه على أن ما فعله من ضرر خاص ومنع خاص فيه حكمة ورحمة بالعموم وإذا ذكر أحدهما لم يكن فيه هذا المدح والله له الأسماء الحسنى ليس له مثل السوء قط، فكذلك أيضًا الأسماء التي فيها عموم وإطلاق لما يحمد ويذم لا توجد في أسماء الله تعالى الحسنى لأنها لا تدل على ما يحمد الرب به ويمدح لكن مثل هذه الأسماء ومثل تلك ليس لأحد أن ينفي مضمونها أيضًا فيقول ليس بضار ولا خافض أو يقول ليس بمريد ولا متكلم ولا بائن عن العالم ولا متحيز عنه ونحو ذلك لأن نفي ذلك باطل وإن كان إثباته يثبت على الوجه المتضمن مدح الله وحمده وإذا نفاها نافٍ فقد تقابل ذلك النفي بالإثبات ردًّا لنفيه وإن لم تذكر مطلقة في الثناء والدعاء والخبر المطلق فإن هذا نوع تقييد يقصد به الرد على النافي المعطل وهذا في الإثبات والنفي جميعًا فمن العيوب والنقائص ما لا يَحْسن أن يثنى على الله به ابتداء لكن إذا وصفه به بعض المشركين نفي ذلك ردًّا لقولهم كمن يقول: إن الله فقير ووالد ومولود أو ينام ونحو ذلك فيُنفى عن الله الفقر والولادة والنوم وغير ذلك فهذا أصل في التفريق بين ما ذكر من أسماء الله وصفاته مطلقًا وما لا يذكر إلا مقيدًا إما مقرونًا بغيره وإما لمعارضة مبطل وصف الله بالباطل فـ (سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ? وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ ? وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الصافات/180 - 182 ) ) . [3]

قال الشيخ السعدي:

(فائدة نفيسة: ما ورد في الكتاب والسنة من أسماء الله وصفاته أقسام:

منها: ما ورد بلفظ الاسم على وجه التسمي به، كالعزيز والحكيم والغفور وشبه ذلك. فهذا القسم يوصف به الرب، ويسمى به ويشتق له منه فعل، ويثبت له منه مصدر؛ كالعزة والحكمة والمغفرة.

ومنها: ما ورد بلفظ الاسم على وجه الإضافة، فهذا يطلق على الله بلفظ الإضافة ولفظ الفعل، ولا يشتق له منه اسم، مثل قوله تعالى: (يخادعون الله وهو خادعهم) يجوز أن نقول: الله خادع المنافقين، ويخادع من خدعه، ونحو ذلك، ولا يجوز أن نعد من أسمائه الخادع؛ لعدم وروده، ولأن إطلاق الخادع يحتمل الذم والمدح، فلا يجوز إطلاقه في حق الله.

ومنها: ما ورد بلفظ الفعل فقط، كالكيد والمكر، فهذا لا يطلق على الله إلا بلفظ الفعل، كقوله سبحانه وتعالى: (إنهم يكيدون كيدًا وأكيد كيدًا) وقوله: (ومكروا ومكر الله) ولا يجوز أن من أسمائه سبحانه الكائد والماكر، لما تقدم.

وإنما جاز وصف الرب بالخداع والمكر والكيد في الآيات المشار؛ لأنه في مقابل خداع أعدائه ومكرهم وكيدهم، ومعاملتهم بمثل ما فعلوا مدح وعدل يستحق عليه المدح والثناء). [4]

قلت: جاء ذكر الأسماء الحسنى في الكتاب والسنة مطلقة ومقيدة، والالتزام بما ورد فيهما أمر واجب، فما ثبت مطلقا على سبيل التسمية أطلقناه، وما ثبت مقيدا قيدناه.

فالاسم المطلق: هو ما جاء بلفظ الاسم في الكتاب أو السنة على وجه التسمي به، من دون تقييد، ويدل على صفة من صفات الله سبحانه وتعالى غاية في العظمة والكمال والجلال والجمال، فالاسم يدل على:

· الذات الإلهية بثبوت الاسم.

· وعلى ثبوت الصفة.

· وعلى ثبوت الحكم (الفعل) .

(1) قلت: لم يصح منها الا المعطي من قوله صلى الله عليه وسلم: (والله المعطي، وأنا القاسم) ، رواه الشيخان.

قلت: في الاصل (الضار والنافع، والخافض) ، فاقتضى التنبيه.

(3) بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية/ شيخ الاسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى 728 هـ) ، تحقيق مجموعة من المحققين، الناشر مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، الطبعة الأولى، 1426 هـ، 3/ 298 - 302.

(4) انظر غير مأمور: التنبيهات اللطيفة فيما احتوت عليه الواسطية من المباحث المنيفة/ الشيخ أبو عبد الله، عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله بن ناصر بن حمد آل سعدي (المتوفى 1376 هـ) الناشر دار طيبة، الرياض، الطبعة الأولى، 1414 هـ، ص 48.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت