واحتجاجهم بهذه الآيات وأمثالها مردود لأن الظن في الآيات ليس هو الظن الذي عنوه، فإن النصوص التي ردوها ورفضوا الاحتجاج بها في مسائل العقائد تفيد الظن الراجح، وأما الظن الذي ذمه الله تعالى في الآيات فهو الشك والتخمين والخرص، لقوله تعالى: (إن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ) الأنعام:116. إذ لو كان الظنُّ المنعي به على المشركين هو الظن الغالب فإنه لا يجوز الأخذ به في الأحكام أيضًا، لأنَّ الله أنكر على المشركين الأخذ بالظنِّ إنكارًا مطلقًا، ولم يخصه بالعقيدة دون الأحكام.
حجية خبر الواحد:-
ومما يبيِّن أنَّ خبر الواحد العدل يفيد العلم أدلة كثيرة:-
الدليل الأول: قوله تعالى: (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ) سورة التوبة:122. وقد ورد في السنة ما يوضحه:
1-فقد روى البخاري في صحيحه عن مالك بن الحويرث قال:"أتينا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ونحن شَبَبَة متقاربون، فأقمنا عنده عشرين يومًا وليلة، وكان رسول الله رحيمًا رقيقًا، فلما ظن أن قد اشتهينا أهلنا، أو قد اشتقنا، سأل عمن تركنا بعدنا، فأخبرناه، قال:ارجعوا إلى أهلكم، فأقيموا فيهم، وعلموهم، ومروهم وصلوا كما رأيتموني أصلي". (1) فقد أمر كل واحد من هؤلاء الشباب أن يعلم كلُّ واحد أهله، والتعليم يعم العقيدة، بل هي أول ما يدخل في العموم، فلو لم يكن خبر الآحاد مما تقوم به العقيدة لم يكن لهذا الأمر معنى.
(1) - صحيح البخاري 2/110، رقم 627، صحيح مسلم 1/465 كتاب المساجد رقم 674.