4-إنّ المسلمين لما أخبرهم الواحد وهم بقباء في صلاة الصبح أن القبلة قد حولت إلى الكعبة قبلوا خبره وتركوا الحجة التي كانوا عليها واستداروا إلى القبلة، ولم ينكر عليهم رسول الله عليه السلام بل شكروا على ذلك وكانوا على أمر مقطوع به من القبلة الأولى فلولا حصول العلم لهم بخبر الواحد لم يتركوا المقطوع به المعلوم لخبر لا يفيد العلم، وغاية ما يقال فيه: إنَّه خبر اقترنته قرينة، وكثير منهم يقول لا يفيد العلم بقرينة ولا غيرها وهذا في غاية المكابرة. ومعلوم أنَّ قرينة تلقى الأمَّة له بالقبول وروايته قرنًا بعد قرن من غير نكير من أقوى القرائن وأظهرها، فأيُّ قرينة فرضتها كانت تلك أقوى منها. (1)
الدليل الثاني:أن الله تعالى قال: (أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا) الحجرات:6، وفي قراءة أخرى (فتَثَبَّتُوا) وهذا يدل على الجزم بقبول خبر الواحد أنه لا يحتاج إلى التثبت، ولو كان خبره لا يفيد العلم لأمر بالتثبت حتى يحصل العلم. ومما يدل عليه أيضًا أن السلف الصالح وأئمة الإسلام لم يزالوا يقولون:قال رسول الله عليه السلام كذا، وفعل كذا، وأمر بكذا، ونهى عن كذا.
(1) - يرى الإمام ابن القيم أن كل حديث صح عن رسول الله عليه السلام ولم يضعفه أحد من أئمة الحديث أن هذا تلق من الأمة بالقبول لهذا النوع من الأحاديث، وهذا بخلاف ما يفهم بعض الناس من القرائن ومن تلقي الأمة بالقبول، فإنهم يكادون يقصرونها على أخبار الصحيحين فقط، وما قرره ابن القيم هو الحق والله أعلم.