وهذا معلوم في كلامهم بالضرورة، وفي صحيح البخاري قال رسول الله عليه السلام في عدة مواضع، وكثير من أحاديث الصحابة يقول فيها أحدهم قال رسول الله عليه السلام، وإنَّما سمعه من صحابي غيره، وهذه شهادة من القائل وجزم على رسول الله عليه السلام بما نسبه إليه من قول أو فعل. فلو كان خبر الواحد لا يفيد العلم لكان شاهدًا على رسول الله عليه السلام بغير علم.
الدليل الثالث: أن أهل العلم بالحديث لم يزالوا يقولون صح عن رسول الله عليه السلام وذلك جزم منهم بأنه قاله، ولم يكن مرادهم ما قاله بعض المتأخرين إن المراد بالصحة صحة السند لا صحة المتن، بل هذا مراد من زعم أن أحاديث رسول الله عليه السلام لا تفيد العلم، وإنما كان مرادهم صحة الإضافة إليه، وأنه قال كما كانوا يجزمون بقولهم قال رسول الله عليه السلام وأمر ونهى وفعل رسول الله عليه السلام، وحيث كان يقع لهم الوهم في ذلك يقولون يذكر عن رسول الله عليه السلام ويروى عنه ونحو ذلك، ومن له خبرة بالحديث يفرق بين قول أحدهم هذا الحديث صحيح وبين قوله إسناده صحيح، فالأول جزم بصحة نسبته إلى رسول الله عليه السلام، والثاني شهادة بصحة سنده، وقد يكون فيه علة أو شذوذ فيكون سنده صحيحًا ولا يحكمون أنه صحيح في نفسه.
الدليل الرابع: قوله تعالى: )وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)التوبة:122، والطائفة تقع على الواحد فما فوقه فأخبر أنَّ الطائفة تنذر قومهم إذا رجعوا إليهم والإنذار الإعلام بما يفيد العلم وقوله لعلهم يحذرون نظير قوله في آياته المتلوة والمشهودة: (لعلهم يتفكرون ) ) ..لعلهم يعقلون). (لعلهم يهتدون) وهو سبحانه إنما يذكر ذلك فيما يحصل العلم لا فيما لا يفيد العلم .