فهرس الكتاب
خامسا: إن العلم بالحق لم يكن في يوم من الأيام مقصودا لذاته، وإنما يطلب العلم بالحق من أجل العمل به، وقد كان الحسن البصري رحمه الله يقول:"ابن آدم ما يغني عنك ما جمعت من حكمة الحكماء وأنت تجري في العمل مجرى السفهاء" (1) ، فالمقصود ابتداء هو العمل، وما العلم إلاّ دليل، قال الشاطبي رحمه الله:"العلم وسيلة من الوسائل، ليس مقصودًا لنفسه من حيث النظرُ الشرعي، وإنما هو وسيلة إلى العمل، وكل ما ورد في فضل العلم فإنما هو ثابت للعلم من جهة ما هو مكلَّف بالعمل به". (2) فتأمل فإنّما أغلق باب التوفيق عن الخلق من اشتغالهم بالعلم وتركهم العمل.
إن حركية هذا الدين حقيقة قد غرست في نفوس الجيل الأول حتى خالطت الدماء التي تجري في عروقهم، فبعضهم أهل بيعة الرضوان، وبعضهم (السَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ) التوبة:100، وبعضهم (الَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا) الأنفال:72، وبعضهم أهل بدر، وبعضهم (الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمْ الْقَرْحُ) آل عمران:172، جيلٌ ربته معاناة العمل وميادين الممارسة، فأثر أبناءه على سير الأحداث بل وصنعوها، ولم يكتفوا بالعيش في ظلها لا يحسنون إلاّ استهلاكها في حديث المجالس الراكدة التي لا تكلف أصحابها إلاّ حركة اللسان، ولا جعلوها مادة تسلية لِلِقاءات من استحكم الفراغ من قلوبهم.
(1) - جامع بيان العلم:ابن عبد البر 2/9.
(2) - الموافقات:للشاطبي 1/65.