فهرس الكتاب
229 و مربي أهل الإرادة. أسلم أبوه، و سبب إسلامه أنه كان من أهل جنوة بلدة من بلاد الروم، و كان فرسه انحل من مربطه ليلة، و خرج يدور بأزقة جنوة حتى دخل كنيستهم العظمى، فراث فيها، فأخرجه ورده لمربطه، و هو في ذلك على خوف أن يشعر به أحد من سدنة الكنيسة أو غيرهم، فاتفق أنه لم يره أحد و لا شعر به.
فلما أصبح النهار رأى أهل البلدة كادوا يطيرون بالفرح. فسأل عن ذلك فإذا سدنة الكنيسة أخذوا الروث، و يبيعون مثقال ذرة منه بمال عظيم، و الناس يزدحمون عليهم و يقولون لهم: إن المسيح جاء الليلة على فرسه للكنيسة، و هذا روث فرسه.
و كان رحمه اللّه يعلم حقيقة الأمر، فعند ذلك تحقق و علم علم يقين أن النصارى على ضلال، و ليسوا على شيء من دين، و أنهم على الباطل. فوفقه اللّه للإسلام، و خرج مسرعا إلى بلاد الإسلام، فسبق على رباط الفتح، فوجد به امرأة يهودية وقع لها مثل ما وقع له قد أسلمت، فتزوجها، فولدت له الشيخ رضوان رضي اللّه عنه.
و لذا كان يقول عن نفسه: خرجت من بين فرث و دم لبنا خالصا سائغا للشاربين.
قيل: كان والده رأى في نومه أنه بال ياقوتة، فعبرت رؤيته أنه يلد ولدا صالحا، فكان كذلك.
و كان-رضي اللّه عنه-عالما، إمام العلماء و الصلحاء، و قدوة الأولياء و النساك، وحيد زمانه، و فريد عصره.
قال الشيخ القصار 1: سيدي رضوان الرجل الصالح، لو أدركه أبو نعيم لجعله في صدر حليته، أو قال: معه أويس القرني. و كان-رضي اللّه عنه-كثير الخوف للّه تعالى، سريع الدمعة، كثير البكاء حتى سماه شيخه الإمام سقين: رضوان البكّاء. و ربما صاح صيحة لغلبة الوجد عليه تكاد القلوب تنفطر لها.
و كان-رضي اللّه عنه-حافظا للسانه، معمرا لأوقاته بالأذكار و العبادات، متبعا للسنة حريصا عليها. و يقول لأصحابه: إنما نحن أعوان/في الدين، و أتباع لسنة النبي صلى اللّه عليه و سلم، و لست لكم شيخا.
و كان-رضي اللّه عنه-أورع الناس و أزهدهم، بعث إليه يوما السلطان المنصور زرعا فلم يجدوه في الدار، فأفرغوه، فلما جاء-رضي اللّه عنه-أمر بإخراج الزرع من
1)محمد بن قاسم القصار، انظر الترجمة رقم: 420.