فهرس الكتاب
558 [434] إنما يتسلط/النفي على الآلهة المعبودة بالباطل بوجه، و هي ثابتة بوجه و اعتبار. فلما رآه الشيخ الهبطي قال: اللّه أكبر، أراد أن يخطئ هذا الرجل فوقع في خطإ أعظم من خطئه. أو مثله من تصدر منه مثل هذه الزلة؟! كيف يتصور في ذهن عاقل أن يكون الشيء الواحد في حال وجوده منفيا من وجه، ثابتا من وجه آخر، و فيه اجتماع الضدين؟ و إنما يصح نفي صفة الألوهية عنها و عن كل ما سوى اللّه و إثباتها للّه تبارك و تعالى.
ثم أمر الكاتب أن يراجعه، فصمم اليسيتني على قوله قائلا: المسألة لا تخفى على أحد، يعرفها صبيان المكتب، فلح و ناضل، و كتب إلى الشيخ كراسا لم يأت فيه بدليل، بل بزخارف من تمويهات المنطق، ثم صار في آخر كلامه يطلب الدعاء من الشيخ و يعترف له بالفضل و الصلاح، فبلغت الحكاية السلطان، فاستدعاهم للنظر في المسألة 1، و كتب للشيخ يحضره.
فلما استشعر اليسيتني بذلك حملته نفاسة الرياسة و حب العلو و الجاه على عدم الإنصاف، و أن يتفق مع قائد شفشاون 2 بلد الشيخ، و كان القائد يحض للشيخ، لكونه ينكر عليه كثيرا من أفعاله بالناس، و شارك في ذلك أيضا الكاتب و غيره، فوشوا بالشيخ إلى السلطان، و قالوا له: إن هذا الرجل يخشى منه على الملك.
فلما اجتمع الشيخ بالسلطان جاء اليسيتني و من تبعه، و تخلف المشايخ و الفقهاء لعلمهم بمراد [المفتي، فما كان إلا أن قام اليسيتني و قعد بين يدي السلطان، و قال له] : يا مولاي، إن هذا المبتدع دمه حلال، اقتله على رقبتي. فقال السلطان: ما تقولون في مسألتكم بعد؟ فقال اليسيتني: ما عنده ما يقول. و الشيخ ساكت بل غائب عن حسه، ثم استيقظ و رفع يديه، و قال: اقرأوا الفاتحة عسى اللّه أن يظهر الحق.
ثم قام إلى المسجد، و بقي المفتي و أصحابه يكلمون السلطان في شأنه، فلم يجبهم إلى مرادهم، و قال لهم: حسبكم أنه لا ينازعكم في مسألتكم، فقال قائلهم: اكتبوا عقدا يضع عليه خطه بأنه رجع إلى قولكم، فكتبوه و حملوه إليه في المسجد، فقال: سألتك باللّه العظيم [435] و نبيه الكريم أن تضع خطك/على هذا الرسم لأن السلطان بعثه إليك، فقال: هاته، فكتب ساقط من س و ع.
1)انظر نص المناظرة في الحركة الفكرية: 282.
2)إشارة إلى محمد بن علي بن موسى ابن رشد، هزمه السعديون سنة 969 ه/ 1561 م، ففر إلى الشرق. (راجع الاستقصا: 5/ 41) .