ويمكن تتبع هذه الرحلات انطلاقا من حياة متصوف ازداد في فاس، وانتقل إلى مصر ليستقر بها في طنطا وليؤسس بها طريقة، وفي سن الثلاثين دخل في تجربة صوفية حولت مجرى حياته بحيث اعتكف وزهد واستولى عليه الخشوع، فدأب على الرحلة إلى ضريح قطبين من الأولياء هما أحمد الرفاعي وعبد القادر الجيلاني اللذان عرفا بإشعاعهما الروحي في مختلف بقاع الإسلامي، ليستقر في نهاية المطاف بطنطا في مصر، فمن خلال تجربته وحياته كمتن، نستشف ملامح واتجاهات رحلة التصوف حسب استنتاج رحمة بورقية.
إن الرحلة في الذات التي تلازم الصوفية حسب الأستاذة بورقية هي رحلة الولاية والصلاح، وفي هذا السياق يمكن طرح السؤال الذي طرحه إرنست جلنير Ernest Gellner في كتابه Saints of Atlas (University of Chicago Press, 1969) وهو كيف يصبح الولي وليا؟
تقول رحمة بورقية في قراءة تأويلية لسيرة أحمد البدوي في المقال سابق الذكر:"تبين سيرة أحمد البدوي أنه كان في طنطا ينزوي فوق السطوح لمدة أيام وعيناه جاحظتان في الشمس بدون أكل أو شرب، وهذا السلوك يجسم الزهد والتخلي عن ملذات الحياة والترفع عن الماديات؛ أي الخروج عن المألوف والانفراد بالتمييز الضروري لوضع ذلك الحد الفاصل بين الزاهد وعامة الناس، يلازم الصمتُ بدايةَ التجربة الصوفية، وليس من الصدفة أن يلقب أحمد البدوي بالصامت، ففي بداية التجربة"