نور العلم الكوني ويتقلص الجهل إلى حدوده الدنيا وتتحقق المقاصد العليا للهدى ودين الحق؛ إن ما يبدو هنا ديباجة لإجازة هو في عمقه تقعيد لأسس ثقافة مغربية أرادها صاحبنا الفاسي عميقة وعظيمة حبا في الدين والوطن، ولا أظن قراءتي هذه مغرقة في التأويل وإنما تبنيناها ضمن مشروعنا التفكيكي التركيبي لعلاقة العلم بالعمران في التاريخ الفكري المغربي، وهو المشروع الذي يبين حين استجماع بعض عناصره على وحدة ثقافية فيما يخص مركزية العلم وأخلاقه في الاجتماع الإنساني المغربي ..
أما الشخصية الصوفية للعلامة عبد القادر الفاسي فتتجلى حسب الدكتورة نفيسة الذهبي في كتابها"الزاوية الفاسية"، مطبعة النجاح الجديدة، 2001: ص 206: في الصلاح والعلم:"فقد كان زاهدا، معرضا عن الدنيا، لم يأكل الأحباس قط ولم يقبل العطايا الجزيلة التي عرضت عليه، فقد كان يتقوت من عمله في النساخة حتى استحق أن يوصف بأزهد العلماء في وقته" (بتعبير صاحب سلوة الأنفاس) ، وأبرز ما تقدم به نفيسة الذهبي هذا الجانب هو وصف أبي سالم العياشي المجاز من طرف الشيخ الفاسي له بقوله: شيخنا المحقق، العارف المدقق، أورع أهل زمانه وأثبت أهل أوانه، (اقتفاء الأثر) ، فسمة التحقيق طبعت سلوكه العلمي وأجوبته على كثير من إشكالات التصوف، كم أن سمة الزهد والورع ميزت معاملاته اليومية، أما الطابع العام للطريقة الفاسية في أيام عبد القادر الفاسي فهو طغيان الجانب العلمي .. إن ما تفضلت به الأستاذة الفاضلة نفيسة الذهبي ينسجم تمام الانسجام مع تأويلنا لما جاء في إجازة عبد القادر الفاسي لأبي سالم