توحيد وكمال معرفة ورعاية صدق وإخلاص (1) ».
وزاد البوطي هذا المفهوم تعميقا حينما حاول ربط اكتساب المعرفة بما يظهر على المرء من سلوك واقعي، وهو يعني بذلك أن يحرص المتصوف على استتار ما يجب أن يستتر من أفعاله وأحواله وأن يظهر منها ما هو جائز منه أن يظهر للعامة من الناس. ولن يتأتى هذا إلا بإتيان الأفعال في مواضعها حسبما يتفق والشريعة الإسلامية.
بصياغة هذا التعريف وبتلك الحدود والبعاد، يضرب عيسى البوطي صفحا عن مسعى جميع أولئك الذين يحاولون انتحال مذهب التصوف، سواء كان ذلك ناتجا عن الجهل بقواعده وأصوله، أو لأغراض منحرفة تبعد صاحبها عن النهج القويم. وهذا هو السبب الذي يقع المؤلف إلى تنظيم حملة عنيفة ضد من سماهم بالملامتية والقلندرية (2) . ونفهم من إشارة ندد فيها بانتشار الجهل بقواعد الإسلام، أن بعض أفراد تلك الجماعة كان موجودا بالريف الشرقي على عهده.
وفي زعم عيسى البطوئي أن ليس لدى متزعمي هذا الاتجاه الصوفي أي مبرر مقبول يسمح لهم بالانتساب إلى التصوف إلى التصوف الحق. وأنهم إن حاولوا فإنا يلجأون إلى ذلك يوقيا تارة ودعوى أخرى. واضطر أن يكشف عنهم ستار ما يدعونه ويرميهم بالزندقة والإلحاد والغرور. والحجة لديه ما كانوا ينتهجونه من مناهج الإباحة. وفي الأخير تبرأ مما كانوا يزعمونه حين أعلنوا أن ضمائرهم قد خلصت لله تعالى (3) .
وبإبعاد الملامتية والقلندرية من ساحة المتصوفة، تبدد كل غموض لمعرفة من يستحق أن يرتب في أعلى مراتب التربية الصوفية. وهؤلاء هم وحدهم الذين أطلق عليهم البطوئي الأولياء والصالحين والمربين السالكين