فهرس الكتاب

الصفحة 10181 من 29568

ومما يؤكد قول ابن طولون أن صاحبنا ابن ميمون الغماري كان يستنقص الناس، اعتراف ابن ميمون بنفسه بذلك فيما يمكن اعتباره نقدا ذاتيا، ومراجعة للنفس، وتوبة نصوحا من أمراض نفسية كانت قد اعترته في مرحلة الطلب .. يقول ابن ميمون الغماري في"رسالة الإخوان":"وكنت مع أبناء جنسي في اجتهاد المطالعة والدرس والحفظ والمكابدة ليلا ونهارا. فكان دأبنا في زمن الشتاء لا نأكل طعاما من الليل إلى الليل لكثرة المجالس، وكثرة ترددنا عليها من صلاة الصبح إلى صلاة العصر، وأنا في كل ذلك حسود غضوب حقود متكبر رئيس مستسخر محب للدنيا، إن رأيت من هو أعلم مني، وأحفظ وأفهم وأَجَد في الطلب أحسده، وأغضب عليه، وأحقد وأتمنى أن يكون ذلك عندي لا عنده لنكون عند الناس بمنزلة ... ولا أعلم مسألة ولا علمتها ولا حضرت مجلسا بالله لله، ولا أعرف ذلك ولا طالعت كتابا لأفهم ما فيه وأتكلم به بعد حفظه وفهمه ونقله إلا ونيتي في ذلك لأكون أحفظ أبناء جنسي وزماني وأفهمهم. وإن تكلمت مع أحد في مسألة على وجه المباحثة ما أريد أن يكون الحق إلا معي، وأظهر الخلل في كلامه إما في العبارة أو في الفهم أو بعدم الإنصاف فأنسب إليه الجهل والقصور .. وربما أكون أحيانا لم أفهم صورة المسألة وأعلم من غيري أنه فهمها فآنف معه بالخصومة والجدل على غير الإنصاف، بل بالاعتراض وإظهار الخلل في فهمه قاصدا بذلك الوصول إلى فهم صورة المسألة وفهم ما يستشكل في أمرها". فأنت تلاحظ أيها القارئ الكريم كيف لخص ابن ميمون -رحمه الله- العوارض النفسية الأمارة بالسوء التي استولت عليه في مرحلة من حياته على الرغم من أن المقام مقام علم وتَلق ومباحثة، ومنه نفهم أن أخلاق العلم هي غير ما عانى منه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت