فهرس الكتاب

الصفحة 10686 من 29568

لماذا هذا الموقف المتصلب ممن يدعوهم أهل التقليد، ولماذا هذه الحملة الشعواء على صنيعهم؟ لأنهم -في نظره - استلذوا التفلسف على طريقة غيرهم؛ فهم يخوضون فيما يخوض فيه غيرهم، ويفتعلون أسئلة غيرهم؛ بل أن تلك الأسئلة، البعيدة عن حقيقتهم، قد استعبدتهم وأصبحت تؤرقهم. ولم يذهبوا إلى مساءلة ذلك التفلسف عند أهل الغرب ونقده على مقتضيات ثقافتهم، ولم يتمكنوا من مراجعة التصور الذي ساد عن الفلسفة الغربية عموما، ولم يستطيعوا أن يأتوا بما يضاهيها؛ انطلاقا مما يستشكلونه هم من واقعهم؛ ولأنهم تسببوا بتقليدهم للفكر الغربي في خنوع الأمة واستسلامها، وقادوها بفكرهم"المتنور"إلى الظلام والاستسلام. فقد وجد أن أصحاب الفكر الإصلاحي في العصور الحديثة والمعاصرة قد اتخذوا من عقلانية الغرب منهجا ومنطلقا في التفكير، وربطوا كل تقدم بانتهاج العقلانية الغربية. وأغلب رواد الإصلاح، وأهل العقلانية والحداثة، وأصحاب المناهج والمشاريع في قراءة التراث؛ بنَوا مجدهم التنظيري وشهرتهم في المحافل والمنتديات والكتب والمجلات على ما تساقط إليهم من مناهج الغربيين وأفكارهم.

كما وجد أن أهل الفكر من المتفلسفة العرب، في العصر الحديث، قد اندفعوا في تقليد فلاسفة الغرب، واقتفوا آثارهم، وتعلقوا بأسباب لا تمت إلى وجودهم؛ فافتقدوا حاسة النقد عندهم، وتقلبوا في أطوار حياتهم من النقيض إلى النقيض. والسر في ذلك"قصور وسائلهم عن الإحاطة بدقائق وسائل من يُقلدون" (1) . فنقاد التراث - مثلا - غلب عليهم التوسل بأدوات البحث التي اصطنعوها من مفاهيم الغربيين ومناهجهم ونظرياتهم؛ فقلدوها وما ملكوا ناصية تقنياتها، ولا تفننوا في استعمالها

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت