فهرس الكتاب

الصفحة 10706 من 29568

اتضح لي من خلال مصادره ومراجعه أنه على إلمام واسع باللغات، منها: اليونانية، اللاتينية، الألمانية، الإنجليزية، الفرنسية. حين قرأ ثقافة الغرب، لم ينبهر بها، ولم يقع في شراكها، ولم يجعل نفسه سجينا لها، ولم يذُب في تلقيه لها على مقتضى مناحي التفكير عند أهلها.

حين قرأ ثقافة الغرب ازداد معرفة بحقيقة تراثه، وزاده علمه إيمانًا ويقينا، ومنحه عزة نفس تأبى عليه أن يمتهن كرامته في التقلبات الفكرية بدعوى التفاعل مع المناهج الحديثة. فقد وجد أن مكمن الخطأ في مقلدة العصر من متفلسفتنا ومفكرينا يتجلى في تقلباتهم الفكرية في كل الاتجاهات، وفي اندفاعهم"في تقليد فلاسفة الغرب الذين يصدرون في إنشاء أفكارهم عن أسباب لا وجود لها عندنا" (39) .

وكيف تم له تجاوز البناء النظري للفكر الغربي الحديث؟ يقول إن ذلك يتم بـ"تحصيل القدرة على فك مفاصل البناء النظري المعقول وإعادة تركيبها بفضل عمليات تحويلية متعددة تدخل على المفاهيم والأحكام" (40) . وبذلك استطاع أن يُقدم رؤية مغايرة لرؤية الغرب. ووجد نفسه يرفض أن يخوض فيما يخوض فيه غيره. فقد تمرد على الحضارة الغربية وذهب في تمحيص مقولاتها كل مذهب. وكتبه اليوم فيها إدانة لهذه الحضارة التي غررت بأهلها فقادتهم إلى التسلط والطغيان والظلم والفساد في الأرض.

(4) طالب بحقه في الإبداع، أراد أن يأتي بما لم تأت به الأوائل، على حد قول أبي العلاء؛ فعاداه من عاداه. وحين طلب حقه في الإبداع لم يرده خالصا لنفسه؛ بل أراد أن يكون لأبناء جلدته حقهم الطبيعي في الإبداع الفلسفي؛ فهو لا يرضى لهم أن يكونوا نُسَخًا"كارْبونية"من غيرهم،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت