يسيرون في أنفاق التبعية، لا يُبدعون ولا يجتهدون. وغايته، من مشروعه، كما اتضح لي، أنه يريد أن يُقدم نموذجا من التفلسف يُضاهي به ما تقرر عند أهل التفلسف، وأضحى من"المسكوكات". غايته أن يتفلسف على مقتضى خصوصيته الثقافية.
(5) تمرد على الحضارة الغربية وواجهها بالحوار وبالتقويم. فبالرغم من تكوينه في ديار الغرب، واستفادته من فكره، قديمه وحديثه؛ إلا أن تلك الحضارة لم تلتهم كيانه في لحظة التكوين، ولم يتضاءل أمامها، ولم ينخدع ببريقها، أو يتساقط أمام إغراءاتها، ويتصاغر أمام ادعاءاتها. تجده يكشف عن ضلالاتها وأزماتها وآفاتها؛ وإنقاذًا للهائمين في عشقها، المتهالكين على بريقها، الواقعين في أحابيلها؛ يتصدى لتقويمها على مقتضى عقيدته الإسلامية، في لحظة يزداد فيها صلف المستكبرين في الأرض بغير حق ويتجرع فيها الذلة والمسكنة المنتمون إلى الإسلام، وتتمدد فيها خريطة أهل النفاق والخيانة والارتشاء. فتزداد التبعية والتواكل والخذلان. وتُحاصر أفكار الشعوب بما يُبقي على مصالح الغرب ويضمن له الهيمنة على المعمور.
(6) ربط القول بالعمل أي أنه ربط الفلسفة بالسلوك؛ فجعل المتفلسف محط النظر، لا يَسأل فقط، بل يُسأل. ولا قيمة لأقواله ما لم تتوافق مع مضامين كلامه؛"إذ ليس في الناس أحد أشد حاجة إلى أن يُصدق فعلُه قولَه، ولا أن يُوافق قولهُ فعلَه من الفيلسوف" (41) .
فالسلوك هو خير محك لاختبار صدق ما يدعيه الفيلسوف. وقال إن المعرفة الإسلامية"تصل العقل بالغيب، وتصل العلم بالعمل"، واعتبر المعرفة الغربية"معرفة تقطع العقل عن الغيب، وتفصل ما بين العلم والعمل" (42) .