والحديث الأصول الاعتقادية، ومن السيرة النبوية الجوانب الأخلاقية والنفسية؛ ثم يروض نفسه بعد ذلك على الهَدْي المعتصر من تلك السيرة وممن جرى على صراطها من السَّلف؛ وعبدُ الحي مُحَدِّثٌ بمعنى آخر، فهو (رواية) بكل ما لهذه الكلمة من معنى. تتصل أسانيده بالجن والحن و رَتَن الهندي (4) ، وبكل من هب ودب، وفيه من صفات المحدثين أنه جاب الآفاق، ولقي الرجال، واستوعب ما عندهم من الإجازات بالروايات، ثمّ غلبت عليه نزعة التجديد فأتى من صفات المحدَثين (بالتخفيف) بكل عجيبة، فهو مُحَدِّثٌ مُحْدِثٌ في آن واحد؛ وهمُّه وهمُّ أمثاله من مجانين الرواية حفظ الأسانيد، وتحصيل الإجازات، ومُكاتبة علماء الهند والسند للاستجازة، وأن يرحلَ أحدهم فَيَلْقَى رجلا من أهل الرواية في مثل فَواق الحالب، فيقول له: أجَزْتُك بكل مروياتي ومؤلفاتي إلى آخر (الكليشي) (5) ؛ فإذا عجز عن الرحلة كتبَ مُسْتَجيزا فيأتيه عِلم الحديث بل علوم الدنيا كلها في بطاقة ... أهذا هو العلم؟ لا والله، وإنما هو شيء اسمه جنون الرواية.
وقد أصاب كاتبَ هذه السطور مسٌّ من هذا الجنون في أيام الحداثة، ولم أتبيَّن منشأه في نفسي إلا بعد أن عافاني الله منه وتاب عليّ؛ ومنشؤه هو الإدلال بقوة الحافظة، وكان من آثار ذلك المرض أنني فُتنت بحفظ أنساب العرب، فكان لا يُرضيني عن نفسي إلا أن أحفظ أنساب مضر وربيعة بجماهرها ومجامعها، وأن أنسُب جماهيرَ حِمير وأخواتها، وأن أعرف كل ما أثر عن دغفل في أنساب قريش، وما اختلف فيه الواقدي و محمد بن السائب الكلبي؛ ثمّ فُتِنْتُ بحفظ الأسانيد، و كدتُّ ألتقي عبد