الحي في مستشفى هذا الصنف من المجانين بالرواية، لولا أن الله سَلَّمَ، ولولا أن الفطرة ألهمتني: أن العلم ما فُهِمَ وهُضَمَ، لا ما رُوِيَ وطُوِي.
زُرْتُ يوما الشيخ أحمد البرزنجي - رحمه الله - في داره بالمدينة المنورة وهو ضرير، وقد نُمي إليه شيء من حفظي و لزومي لدور الكتب، فقال لي بعد خوض في الحديث: أجزتُك بكل مروياتي من مقروء ومسموع بشرطه ... إلخ. فألقى في روعي ما جرى على لساني وقلت له: إنك لم تعطني علما بهذه الجُمَلِ، وأحْر أن لا يكون لي ولا لك أجر، لأنك لم تتعب في التلقين وأنا لم أتعب في التلقِّي؛ فتبسم ضاحكا من قولي ولم ينكر، وكان ذلك بدأ شفائي من هذا المرض، وإن بقيت في النفس منه عقابيل، تَهيج كلَّما طاف بي طائف العُجب والتعاظم الفارغ إلى أن تناسيته متعمدا؛ ثم كان الفضل لمصائب الزمان من نسيان البقية الباقية منه؛ وإذا أسفت على شيء من ذلك الآن فعلى تناسيّ لأيام العرب، لأنها تاريخ، وعلى نسياني أشعار العرب، لأنها أدب.
وحضرت بعد ذلك طائفة من دروس هذا الشيخ في صحيح البخاري على قلَّتها وتقطعها؛ وأشهَد أني كنت أسمع منه علما وتحقيقا؛ فقلت له يوما: الآن أعطيتني أشياء وأحْرِ بنا أن نوجَرَ معا، أنت وأنا؛ فتبسَّم مبتهجا وقال لي: يا بني هذه الدراية، وتلك الرواية. فقلت له: إنَّ بين الدراية والعلم نسبًا قريباًََ في الدلالة، تُرادفه أو تقف دونه؛ فما نسبة الرواية إلى العلم؟ وقطع الحديث صوت المؤذن، وقال لي بعد الصلاة: حدثني بحديثك عن نسبة الرواية إلى العلم، فقلت له ما معناه: إن ثمرة الرواية كانت في تصحيح الأصول وضبط المتون وتصحيح الأسماء، فلما ضُبطت الأصول وأُمن التصحيف في الأسماء خفّ وزن الرّواية وسقطت قيمتها،