وقلت له: إن قيمة الحفظ - بعد ذلك الضبط - نزلت إلى قريب من قيمة الرواية، وقد كانت صنعة الحافظ شاقة يوم كان الاختلاف في المتون فكيف بها بعد أن تشعب الخلاف في ألفاظ البخاري في السند الواحد بين أبي ذر الهروي، والأصيلي، وكريمة، والمستملي، والكشميني، وتلك الطائفة، وهل قال حدثني أو حدثنا أو كتاب أو باب؛ إن هذا التطويل ما فيه طائل. ولا أراه علما بل هو عائق عن العلم؛ وقلت له: إن عمل الحافظ اليونيني على جلالة قدره في الجمع بين هذه الروايات ضرب في حديد بارد، لا أستثني منه إلا عملَ ابن مالك؛ وإن ترجيح ابن مالك لإعراب لفظة لأدلّ على الصحة في اللفظ النبوي من تصحيح الرواية، وقد يكون الراوي أعجميا لا يقيم للإعراب وزنا؛ فلماذا لا نعتمد إلى تقوية الملكة العربية في نفوسنا، وتقويم المنطق العربي في ألسنتنا، ثم نجعل من ذلك موازين لتصحيح الرواية، على أن التوسع في الرواية أفضى بنا إلى الزهد في الدراية، وقلت له: إنك لو وقفت على حلق المحدّثين بهذا الحرم، محمد بن جعفر الكتاني ومحمد الخضر الشنقيطي وغيرهما لسمعت رواية وسردا، لا دراية ودرسا، وإن أحدهم ليقرأ العشرين والثلاثين ورقة من الكتاب في الدولة الواحدة فأين العلم؟ وقلت له: إن من قبلنا تنبهوا إلى أن دولة الرواية دالت بضبط الأصول وشهرتها فاقتصروا على الأوائل، يعنون الأحاديث الأولى من الأمهات وصاروا يكتفون بسماعها أو قراءتها في الإجازات؛ وما اكتفاء القدماء بالمناولة والوجادة إلا من هذا الباب.