عبد الهادي التازي الذي قال إن المغرب هو القرويين، ولعلي لا أكون مغاليا إذا أضفت أن القرويين هي ثمرة كفاح فاطمة وزهدها وباكورة نكرانها لذاتها وإقبالها على آخرتها.
كانت القرويين أول جامعة عرفتها البشرية، سبقت الأزهر الذي أسسه جوهر المغربي عام 360ه كما سبقت جامعات أوروبا، بحيث تأسست أول جامعة أوروبية عام 1050م بينما تأسست القرويين عام 859م وأما دورها في حياة المغاربة فأظهر من أن نكشفه فهي موطن الحل والعقد ومهد العلم والحضارة التي شع سناها على العالمين حتى قيل «ولد العلم بالمدينة ورسي بمكة وطحن بمصر وغربل بفاس» ، فأي شرف أعظم من اختصاص علماء القرويين بتحقيق العلوم وغربلتها؟
من جامعة القرويين خرجت جحافل العلماء والأدباء تنشر النور في أقطار الأرض فعم فضلهم المشارق والمغارب، كأبي عمران الفاسي قطب المالكية في وقته، وابن خلدون مؤسس علم الاجتماع، وابن الخطيب ظاهرة الأدب والشعر، وابن مرزوق الخطيب المصقع، وابن البناء الرياضي الفذ، وآلاف غيرهم ممن لا يتسع المقام لسرد أسمائهم ولا يخفى ما لهذه الجامعة من فضل على أوروبا نفسها، فمعلوم أن البابا سلفستر الثاني الذي درس بالقرويين بعد أن أظهر الإسلام لأهلها هو من نقل الرياضيات (في حلتها الحديثة آنئذ) منها إلى أوروبا وإليه يرجع فضل نقل الأرقام العربية إلى الجامعات الأوروبية، ومن القرويين تخرج قادة الأمة في نضالها ضد الغزو والغزاة ومنهم الخطابي وشيخ الإسلام بلعربي العلوي ومحمد القري وأبو المحاسن الفاسي ومنها كانت تنبعث الأصوات المناوئة لجور السلاطين، فقد أسقطت القرويين سلطان بني مرين لاستعانته