أما الحالة الثالثة، فهي إذا ما قامت في العالم دعوة لتحريم الحرب جملة، واتفقت الدول كلها بمقتضى أوفاق عامة مضمونة النفاذ، فإنه يجب علينا أن نكون في مقدمة المستجيبين لهذه الدعوة، ويحرم علينا شرعا الدخول في حرب كيفما كان نوعها، بشرط أن تكون هذه السلطة الدولية قادرة على حماية الطوائف والأديان والجماعات بنفوذها من كل اضطهاد وإكراه.
ويستدل على مشروعية هذه الحالة من عدة وجوه:
الأول: عموم الدعوة الإسلامية للسلام، وهو ما تدل عليه الآية الكريمة: يَاأَيُّهَاالَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً البقرة/ 208، وهي صريحة في أن مقصد الإسلام هو الوصول إلى هذا الاتفاق الدولي العام على تحريم الحروب وإقرار السلام.
الثاني: توجيه الآية التي سبق ذكرها من قبل وهي: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ الأنفال: 61. فهي ترشد إلى ضرورة الاستجابة للسلام بمجرد ظهور الجنوح، أي الرغبة والميل عند الأعداء، فأحرى إذا وقع الاتفاق على ذلك بين مختلف الدول.
الثالث: أن هذا مما يدخل في عموم قوله تعالى: لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ النساء: 114، والاتحاد في الإصلاح العام بين الناس أوجب من الأمر به، لا سيما إذا كان الاستعداد عاما في المجتمعات الإنسانية كلها.
الرابع: ما روي من أن النبي صلى الله عليه وسلم شهد مع عمومته في الجاهلية حلفا قال عنه: «ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو دعيت له في الإسلام لأجبت"، وكانت غاية هذا الحلف هي إنهاء الحروب بين القبائل،"