لبث الأمر السلطاني أن صدر بإبعاده إلى الزاوية الدلائية الخَرِبة وبعدها دخل في مرحلة تيه لا نهاية لفصولها فلا تسعه أرض ولا تظله سماء، كان السلطان يهدف إلى عزل اليوسي لئلا يكون عصبة تهدد ملكه في المناطق التي يقيم بها وما دام اليوسي لا يجاهر بعداوته للنظام القائم فليس له عليه من سبيل غير إبعاده عن طلبته ومريديه بين الفينة والأخرى، ولما بلغ الغليان بالمغرب أوجه بعثه إلى الديار المقدسة في مهمة رسمية كانت الغاية من ورائها نفيه وعزله عما يدور بالمغرب من أحداث، لم يكن اليوسي فقيها سلطانيا كغيره من الذين آثروا مداهنة أولي الأمر وتقاعسوا عن واجب إسداء النصح لأمرائهم فمثل دور المعارضة السياسية في ذلك الزمن في أظهر تجلياتها، ويروى أن السلطان إسماعيل قال يوما لبعض خلصائه بأن اليوسي واحد من العلماء الذين لا يخشون في الله لومة لائم، فقد بلغ من جرأته في الحق أن يراسل السلطان وأن ينبهه إلى مكامن الخلل في دولته وأن يحذره من بطانة السوء التي تحيط به، يقول اليوسي عن بطانة الملك: «فإن كثيرا من الدائرين به طلاب الدنيا، ولا يتقون الله ولا يتحفظون في المداهنة والنفاق والكذب» .
وبعد حياة حافلة بالهزات العنيفة والتقلبات التي كانت ترخي بظلالها على الدولة بأكملها كان متوقعا أن تكون نهاية اليوسي عنيفة، ليس لأنه دعا إلى العنف في حياته أو أنه آمن به منهجا في دعوته، ولكن لأن صوتا حرا كصوت اليوسي عجز خصومه عن إخراسه بالحجة والبرهان أجبرهم على سلوك سبل أخرى في كتم أنفاسه وكان لا بد للسيف أن يقول الكلمة الفصل في النهاية تقول فاطمة خليل القبلي في مقدمة رسائل