لم أدع للعين ما تشتاق في بر وبحر
وفي موضع آخر:
دعني أجل ما بدت لي
سفينة أو مطية
لا بد يقطع سيري
أمنية أو منية
وقد حطت به عصا الترحال في المشرق، ويبدو أنه كان يرجو أن يلقى من التكريم هناك ما يليق بمثله، فآلمه أن يهمله إخوانه المشارقة وألا يحتفوا بعلمه، ولم يكن هذا حاله لوحده فقصة الشاعر الغزال قبله خير شاهد على إعراض المشارقة عن كل ما يأتي من بلاد المغرب، وليس هذا الحكم على إطلاقه ولكن القاعدة لا تبنى على استثناء، عاد الإدريسي من المشرق ولم يجد فيه ما كان يؤمله ومما قاله بعد أوبته:
إن عيبا على المشارق أن أرجع عنها إلى ذيول المغارب
وعجيب يضيع فيها غريب بعدما جاء فكره بالغرائب
لم يشفع للإدريسي أن جاء فكره بالغرائب فاختار صقلية موطنا على مضض ولعلها المقصودة هنا ب «ذيول المغارب»
ألقت رحلة الإدريسي بظلالها على نفسيته فوجد شيئا في نفسه على العرب، ولا يبعد أن تكون تلك الرحلة المشؤومة سببا في نيله منهم في كثير من الأحايين وفي نيلهم منه قديما وحديثا.
يقول في وصف طرابلس: «إلا أن العرب أضرت بها وبما حولها من ذلك، وأجلت أهلها وأخلت بواديها وغيرت أحوالها وأبادت أشجارها وغورت مياهها» .