وبحر لا تكدره الدلاء، وحبر يفاخر أعلام الدلاء ... (1(3) ، ونشأ بحلب واحتلب من ثدي المجادة ما احتلب، ثم تركها ... وخالف رأي الإقامة بها، واحتمل من كمد التنقل في طلب العلم ما احتمل، وعلم بوافر عقله أن الثمد في البيد ... حتى حل بدره بفاس حلول الشمس بالحمل، فاشتفى بها من جوى التبريح، وجاءها من أنواع الأدب"بالضح والريح" (14) فكابد من أهلها ما كابد من الحسد، جال فيهم بعقله الأسد جولان الأسد ... فأعظموا أمره وأصغروا دونه زيد الأدب وعمره، وأدوا بحرم قصائده حجة الإعجاب والعمرة، ويمارسا فكره في بحر المعاني ... وخمد له جمر أهل العناد وانطفا، أنفق بضاعته عمره على مدح المصطفى، وجنح إليه كما جنح إلى الحمام ابن الخطفا، فعلا قدره، وامتلا بالأنوار صدره، حتى عد الناس خواصه، وانتهى بهم إلى مقام الخاصة" (15) ."
ويفهم من هذا النص جملة معطيات يمكن أن نسطرها كما يلي:
1 -أن أحمد بن عبد الحي الحلبي مشرقي، شامي الأصل والمولد، شريف النسب عريقه.
2 -أنه ممن تغربوا، بحيث اختار مدينة فاس موطنا ومستقرا، فحل بها سنة 1080هـ، أي قبل تولي المولى إسماعيل الحكم بسنتين.
3 -أنه لم يهنأ له بال في دار هجرته (فاس) إلا بعد جهد جهيد، فقد وجد المعاشرة صعبة، فقد كان من أهل فاس من يرفض مقامه بينهم.
4 -أن سهم الرجل كان ضاربا في مضمار الأدب بوجه خاص، فحظي بالتوقير والاحترام لعلمه وورعه إلى أن توفي عام 1120هـ.
ويمكن أن نقول أن الحلبي قد عاصر تحولات عديدة في حياة المغرب: سياسيا، واجتماعيا، وفكريا ... كيف لا، وقد عد من شعراء المولى