فالقارئ يحس في تفسير الشيخ ما يشده إليه، لأن يكيف المادة العلمية بروعة التعبير وجمال التنسيق والتركيب، وهنا نصل إلى خاصية في أسلوب الشيخ المكي الناصري لا أعلم نظيرها في أقلام جيله ونظرائه، وهو إتقان التركيب.
أما بلاغة التركيب وفصاحة الكلمة وإتقان الصياغة فهي موجودة في تفسيره بلا غموض ولا تعقيد، وإدراك هذه الخاصية يحصل بالذوق السليم، وتناسب أجزاء التركيب، واختيار الكلمات في موقعها المناسب وهذا ناتج عن منهاج تفكيره، لأن المرحوم نشأ في عصر كان حفظ القواعد والنصوص هو المقياس الأول للتفوق العلمي والانخراط في إطار العلماء، فقال الشيخ محمد المكي الناصري في هذا الشأن:
«وأدركت أن العالم لا يكون عالما بمعنى الكلمة إلا إذا كان مواليا لسائر فروع المعرفة قديمها وحدثيها، يأخذ بخيرها، وينتفع بثمرتها، فلا يكون عدوا للعلم، ولا خصما للمعرفة، وأدركت أن العالم لا يستطيع أن ينفع الناس بعلمه، ويرفعهم إلى مستواه، ويجعلهم مطمئنين على سماعه، مستريحين إلى الأخذ عنه، إلا إذا كان منطقي العقل، متسلسل الفكرة حسن الترتيب، يجعل أجزاء الموضوع الواحد مسلسلة بأخذ بعضها برقاب بعض، ويحدد كل جزء تحديدا معقولا.
فأسلوبه علمي خال من التزويق التركيبي، تتوفر فيه الشروط التي يفرضها أرباب الاختصاص في ميدان التأليف العلمي.
والشيخ محمد المكي الناصري استطاع أن ينظر إلى القرآن نظرة متكاملة فهو - في نظره - يمثل وحدة موضوعية متجمعة الأوصال،