إنه فعل ذلك سبع عشرة مرة، الأمر الذي نتج عنه طول هذا القسم مقارنة بالأخرى.
ولعله من الصعب أن نقفو قفوه، ونجاريه في ميدانه، إلى أنه تقريرا لمنهاجه من جهة، ونشرا لطي بعض فوائده من جهة ثانية، يحسن بنا أن نقتطف نموذجين للتمثيل:
أ- النموذج الأول: ومنه الشبهة إما أن تكون قريبة جدا كالشركة في القطع فتعتبر، أو بعيدة جدا كالأجير والصديق فيه، فلا تعتبر، أو متوسطة فقولان، هذا ضابط مذهب مالك، ومن هذا تعرف وجه الرد فيما أفتى به الفقيه أبو موسى عيسى بن محمد الإمام، حدثني -رحمه الله- أن عبد الحق بن أبي بكر حاكم تونس أنه وجد رجلا وامرأة، فأفلت الرجل وأقرت المرأة أنها مكنته من نفسها واعتلت بما كان الناس فيه يومئذ من شدة المسغبة، وأنه لحقها من الجوع ما حملها على ذلك، فرحمتها وسرحتها، قال: فقلت له: فقد قالو: إذا سرق لجوع أصابه لم يقطع، فقلت: الجوع يبيح أخذ مال الغير باختلاف لزوم الثمن فيه، فسرقته إذا لم تكن جائزة فهي شبهة قوية، ولا يبيح الزنى بوجه ولا على حال، ولا مناسبة بينه وبين إباحته، فلا ينتهض شبهة تدرأ الحد، فيجب الحد ولابد.
ب- النموذج الثاني: ومنه تنافي المقصودين مانع من اجتماع حكميهما. ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه (13) فلا يجتمع النكاح والملك، لأن مقصود الزوجية التراكم والود من الطرفين، ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا (14) والرق الامتهان والاستخدام بسبب سابقة الكفر أو مقارنته زجرا عنه، وإن كان العبد هو الزوج زاد، فإن مقتضى النكاح قيام الزوج على المرأة بالإصلاح والتأديب والصون، الرجال