فالمولى سليمان حينما أصبح ملكا للبلاد المغربية لم تعد التربية بالنسبة إليه وقفا على الالتزام الذاتي، ولكنه صار يعلم أنه مسؤول عنها في الإطار العام، لذلك صار يدعو إلى تنزيه العقيدة من كل الشوائب التي قد تحرفها عن وجهتها السليمة، وصادف الحال أن الحركة الوهابية التي انتشرت في الحجاز كانت هي نفسها تدعو إلى عدم الغلو في تقديس الأضرحة، وإلى عدم التقرب إليها بالذبائح والقرابين، إلا أن المولى سليمان كان أقل تشددا من أؤلئك، فإذا كان الوهابيون قد أمرو بتحطيمها وتسويتها باٍض العادية، فإن المولى سليمان كان يرى لأن توعية الناس خير من استعمال العنف المطلق، لأن التوعية تربية، والأخذ بالعنف زجر، ومعلوم أن مفعول التربية أقوى من مفعول الزجر، لأنها تنبثق من الأعماق، في حين أن التخلي عن طريق الردع الزاجر لايستمر دوامه إلا بدوام وجوده، وذلك لايفيد إلا قليلا.
وموقفه هذا يدل على استيعابه لحقيقة النفس البشرية، وعلمه بأنها في حاجة إلى تقويم داخلي يدوم بدوام الإنسان، ويرتبط بسلوكه، سواء كان تحت رقابة خارجية، أو لم يكن تحت هاته الرقابة.
هذا، وإن الاهتمامات العلمية لم تشغل المولى سليمان عن تسيير شؤون الدولة، فهو كان حريصا على نشر الأمن، وتوحيد البلاد، إلا أن الشيء الذي كان يقلق باله هو تآمر الدول الغربية على سلامة المغرب، وعلى سلامة بعض الدول الإسلامية، سواء من حيث التضييق الاقتصادي، أو من حيث العمل على استغلال البحار لمصالحهم الخاصة، مع عدم توفر المغرب على قوة عسكرية كافية للتغلب على هؤلاء، لذلك كان يعمل مافي وسعه لإطفاء الفتن الداخلية، مع عدم إحداث واجهة حربية ضد الأجانب حفظا