الآخر، ووسط بينهما مالايسأل عنه، وهو مزج الدمع بالدم كقوله تعالى:"قل إن أدري أقريب ماتوعدون أم يجعل له ربي أمدا؟) وعبر بقوله جيران، ولم يقل أحباب، والوزن يساعده فرارا من اللفظ المبتذل، لأن أحباب لفظ مبتذل لايستعمله إلا ضعفة الشعراء، والقوي العارضة منهم يجتنب الألفاظ المبتذلة."
وجرى الناظم على مذهب الشعراء من الكناية عن وطن المحبوب باسم سواه، ويتخرجون من تعيين الإسم والقبيلة والحي، إما للستر عن المحبوب أو غيرة عليه أو خوف الرقباء أو حفظا على وقار المحب، فإنه إذا كان متصفا بالوقار، كان حذره على الاطلاع عليه آكد، وقد أكثروا من الكناية بذي سلم، واستعملوه أكثر من غيره، قال:
ما ساعفتني الليالي بعد بعدهم
إلا ذكرت ليالينا بذي سلم
وأما مزج الدمع بالدم فقد أكثر الشعراء فيه كقوله:
بكيت دما يوم النوى فمسحته
بكعي فأحمرت بناني من دم
وتقدم أن دمع السرور بارد، وفي الصحيح عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ما ظننت أحدا يبكي من شدة الفرح حتى رأيت أبا بكر فعل ذلك حين أذن الله لرسوله صلى الله عليه وسلم في الهجرةـ، وأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم له في صحبته والهجرة معه، قالت عائشة: فرأيت أبا بكر تجري دمرعه على خده من شدة الفرح، فقال الشاعر:
ورد الكتاب من الحبيب بأنه
سيزورني فاستعبرت أجفاني