أما الصعوبات التي واجهت أستاذنا في تحقيق كتابي"أمثال العوام"و"ملعبة الكفيف الزر هوني"فتتمثل في كون نص الكتابين من لغة العامة، وهي لغة لا قواعد لها يضبط ألفاظها، و لا نحو يفيد في فهم تراجمها، ثم أنها لغة في حكم اللغات الميتة، ولهجة الكتابين غير واحدة، فلهجة"أمثال العوام"أندلسية لم يبقى منها إلا ألفاظ في معجمنا، و في اللغة الإسبانية و لهجة"ملعبة الكفيف"كانت سائدة في القرن الثامن و في جهة واحدة من جهات المغرب، وعلى كل هذا فعدة المحقق حسه الأدبي، و قدرته الفائقة على الإنصات و على التقاط الإشارات البعيدة، هذا إلى أن أمثال العوام ألغاز و معميات، لا تنقدح في كل فكر، و لا تثير كل إحساس وقد تمكن الأستاذ من قراءة وضبط نصوص"أمثال العوام"كما تمكن من شرح معانيها و مراميها، و ردها إلى أصولها في الأمثال العربية القديمة، فكان بذلك: محققا، و شارحا، و ناقدا، و بذلك تحقق في عمله الكبير الصفتان اللتان يقوم عليهما كل عمل أدبي وهما: الامتناع و الانتفاع.
و النص المعتمد في تحقيقه"ملحمة الكفيف"أو ملعبة الكفيف"وأرادها ملحمة، و هي بحق الملحمة الشعرية الوحيدة في تراثنا الأدبي، توفرت فيها شروط الفن الملحمي. (1) و لا شك في كون لغة هذه الملحمة أقرب إلى العامية المغربية الحالية من لغة أمشال العوام، و هذا أمر يجهل تحقيقها أيسر، و لا شك أيضا في أن ورود الملعبة على وزن شعري عربي أعان على ضبطها، ومع ذلك فإن تحقيق هذا النص العربي في تراثنا، و المجهول على يومنا هذا لدى نقادنا تواجهه عراقيل من صنف آخر، أهمها الإرشادات التاريخية و الاجتماعية التي ترد في النص و تتطلب ذهنا يقظا، ومعرفة دقيقة بالمرحلة التي يؤرخ لها الكفيف، وقد وهب الله"