بفكرة الإصلاح على مستوى الفرد والمجتمع، لأن التصوف الفلسفي المحض لا يهمه تأليف الناس، وربط صلات المودة بينهم بقدر ما يهمه التحليق في أجواء فلسفية لها تصوراتها ونظرتها إلى خالق الملك والملكوت، في ظل وحدة شاملة يتحد فيها الرب بالمربوب وتتلاشى أمامها التشريعات والأوامر والنواهي ...
ويمثل هذا الاتجاه محيي الدين ابن عربي الحاتمي، والشنستري، وابن سبعين، ومن نسج على منوالهم.
وكان الشاذلي يعيش في عصر هؤلاء، وفي بيئة واحدة أو متقاربة جدا، وشاركهم في بعض شيوخهم، ومع ذلك لم يسلك طريقهم الذي سلكوه، بل سلك في تصوفه طريقا آخر، وعمل على إصلاح الانحراف الذي عرفه الفكر الصوفي، وسنرى - فيما بعد - كيف استطاع أن يستقطب بمذهبه المعتدل مجموعة كبيرة من العلماء والمفكرين في العالم الإسلامي.
أبو الحسن الشاذلي قبل أن يدعو إلى تنمية الجانب الروحي في الإنسان، وإلى إصلاح الضمائر والنفوس، قام بتكوين نفسه تكوينا متينا، حيث اغترف من ينابيع علوم عصره؛ قرآنا وحديثا، وفقها، وأصولا، ولغة، وأدبا، ومنطقا وتسلح بمعرفة آداب المناظرة والجدال ...
وذكر أبو سالم العياشي في «رحلته» وهو يتحدث عن الكتب التي قرأها بمكة، أنه قرأ كتاب «طبقات الصوفية» للمنادي التي أجاد فيها، ومنها ترجمة الشيخ أبي الحسن الشاذلي - قطب الزمان الذي نشأ ببلده، واشتغل بالعلوم الشرعية حتى أتقنها، وصار يناظر عليها. (1)
وذكر صاحب «شجرة النور الزكية» أنه: «كان يحضر مجلسه بتونس ومصر أكابر العلماء: كابن عصفور، ومحيي الدين ابن جماعة، والعز بن