إن هذه الأرجوزة تربوية توجيهية اجتماعية بالدرجة الأولى، وجهها إبراهيم إلى مكونات مجتمعه الذي كانت تتجاذبه الأهواء والانزلاقات، لتكون لهم نبراسا يستضيئون به في حياتهم، فهي دستور أخلاقي متكامل مصدره الأول: القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، لم يغادر فيها خلقا نبيلا حث عليه الشرع الكريم إلا دعا إليه، ولا خلقا مذموما إلا حذر منه، و نفّر عنه ... بل إنها تضعنا أمام قاموس أخلاقي متكامل لايخضع لمكان معين، ولا لزمان معين، فهو صالح لكل المسلمين، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، مادام في أرض الإسلام خارجون عن هديه القويم، وصراطه المستقيم. فحتى الخوض في الجدال العقيم الضار نهى عنه، والجدال الوحيد الذي رخص فيه هو كما تقول المنظومة:
ولا تجادل أحدا، إلا إذا ... تنفي ضلالا عن هدى، فحبذا
إن كنت أهلا، أو فدع للعلما ... فهم حماة الدين من جميع ما
وها هنا تأكيد على أن الجدال الخصيب المنتج له أهله وخاصته، هم العلماء الذين يملكون أدواته، ويعرفون منعرجاته ومنحدراته، أما الذي يجادل بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، فمن السهل أن يسقط في التطرف المؤدي إلى التكفير، وكأني بإبراهيم يتحدث عن هذا العصر