الرحلة الأخيرة لعبد الجبار السحيمي: راعي الحداثة المغربية ,, بقلم أحمد مديني
لا أعرف كيف ولا بأي زمنية سأكتب عنه: بمن وما كان، أم بما هو كائن، لن أقول مع الزوال، فالموت لا يغيّب إلا الجسد الفاني مع كبار الرجال. أم الأفضل أن أجنح إلى تركيب يخرجه من تصنيف الوقت الفيزيائي، ليدخله في الديمومة، ويقينا سيمضي فيها، لا سيما، وليس من عادتي، ربما لست وحدي من يفعل، ليس من عادتي أن أفكر في من أعز وأبجّل بتوقيت حضورهم الجسدي؛ صنيع علاقتي بأمي، مثلا، حين رفضت أن يشيحوا الغطاء عن وجهها لألقي عليها نظرة الوداع، يسمونها النظرة الأخيرة، تركتها تمضي في موتها، الموت الحتمي المعلوم بنهاية وظيفة الأعضاء، ولما ُووريت التراب كنت مصمما على إبقائها معي، في بقعة من داخلي، ما همّ سواءٌ هي قلبي أو ذاكرتي، أو بينهما، المهم أنها حية بعنادي، وأقول إنها وأنا لا أراها رؤية العين المجردة، إنما غابت، سافرت إلى مكان ما، وسيحين موعد عودتها لأراها كأننا لم نفترق لحظة واحدة؛ لقد انتصرت على الزمن بسحر الديمومة!
لذا أكرر أني لا أعرف حقا كيف، ولا بأي صيغة سأكتب عنه: حسب الظروف القديمة، البعيدة الآن يوم أتيح لي أن أتعرف عليه، أم وفق ما صار وما بتُّ عليه، وقد دار الزمن من نهاية الستينات الخالية إلى نهاية عشريتنا الحالية لهذا القرن أيما دورة يشيب لها الولدان، تغيرت معها