الأحوال، وتداخلت الأشكال، وما أكثر من وما تبدل، ولله عاقبة الأمور. لا أبحث عن جواب بقدر ما أسجل حيرة تكبلني، كادت تمنعني من وضع هذه السطور إلى أن وجدتني فيها، ولا مناص لي من المضي ما دمت بدأت، أتذكر أني (أننا جيل حقا سهر على أحلامنا، ورعى أوهامنا) بجزء من حَدَبه، وكثير من عنايته ورفقته، قريبة وبعيدة، بدأت خطوة من طريق، ولذا عليّ أن أواصل، والحيرة الممضة دائما تكبلني، خاصة إذ أتلفّت، يشغلني غيابُه (مذ قرر الغياب بوعيه في مرضه الطويل، قبل أن يغادرنا في رحلة الموت الأخيرة) من شدة حضوره بداخلي وبقربي، فأناديه، ألوّح له، وخلافا لعادته، لحبوره الأليف، وظله الرفيف، ومجلسه اللطيف، وقوله المهموس أحيانا كالحفيف، لا أسمعه يلبي أو يجيب، فيشتد افتقادي، هو الذي كان خطوي وظلي، بعض صوتي وغمد سيفي، وقبل هذا وذاك جمال بداية العمر الجميل، أيام الضنك والحلم والحب والشعر، وكل ذاك ما غدا الوهم المحال.
ولكن ما بالي أنتهج هذه الكتابة وكأني أدوّن عن نفسي، أتحدث عن من أمعن في تغييب اسمه، واسمي يبدو حاضرا، موقّعا أعلاه على حساب هذا الغياب؟! أيّ لعبة هذه التي نسرف فيها حين ننهب حياة الآخرين، نتوسل بسيرهم، أحيانا، ولو بحسن نية، ونبل القصد، نتخذهم ذريعة فنظهر في الأخير بصورنا ملمّعة، لننساهم في الطريق مستسلمين بخفة، لنرجسياتنا، سواء في المدائح أو المراثي، نكون إما أعددنا ولائم لا لضيوفنا، إنما لنصنع بطرنا، ولنسمع بعدها صدى إكرامنا، وإذ نزعم أننا نريد أن نتذكر، ونسرد شيم وخصال الرجال، نمعن في النسيان، ولا نتذكر إلا ما يسعف لرسم صورتنا نحن، الذين لو كنا صادقين، أوفياء، ما وُجدنا اليوم،