ذلك أني في ذلك الزمن كنت أديم التنقل بين الدار البيضاء والعاصمة، نهاري هناك وليلي هنا، وفي هذا الليل كم عرفت الرجل، وتنسّمت أريج لفظه، وعذب حديثه، وشقشقة ضحكه، وخاصة رقّته، أقصد رومانسيته اللانهائية، لا سيما إذا وصل الكلام إلى الأدب، والفن، في قلبه الغناء والمغنون، أحبهم على نفسه شجن وآهات عبد الحليم حافظ، لا أحسب أحدا برّح به هواه مثله، هو الذي كان يشجو معه بصوته الفخم الذبيح: ' جبّار، في قسوته جباّر! في رقّتُه جبّار! ' وما عرفت عبده بين صحوي ومنامي، غدْوي ورواحي، بين استقباله لي في الجريدة، أو ضيافاته الكريمة لشلتنا في بيته العامر قرب مقهى' Jour et Nuit '، أو جلسات سمر ليلي في حي المحيط بالمطعم الصيني، قبل فساد الأمكنة، وتلف البشر، وزوال الأثر؛ أقول ما عرفته إلا رقيقا، وغيّبه الموت وهو أرقّ، إذ كان هو من غاب أولا من غير أن يقلق أحدا.
والحق أن هناك تاريخين وثّقا علاقتي بالرجل، ليجعلا من وجوده في الرباط، وفي موقعه الإعلامي، ثم الشخصي، الأدبي والإنساني، ـ وهما عمليا يتداخلان، لأن عبده من قلة لُحمتها وسداها ذاتٌ متآلفة مع بعضها، هي نسيج وحدها ـ محور لقاء واستقطاب لكثير .. سينضاف تاريخ ثالث، أحبه وأمقته في آن، قد يتأتّى عرضه. أما الأول، فهو ارتباطي منذ نهاية الستينات بجماعة' أنفاس' الإبداعية، أكرر الإبداعية، التي جمعت شعراء وكتابا وتشكيليين، ذوي مشارب ثقافية وفنية مختلفة، ولم يكن إلا الإحساس بآصرة التحديث، والتعبير بصوت مختلف هو الهاجس أو الجامع المشترك بين أعضائها، ولا كان لها زعيمٌ إلا من ينسق مجلتها بالإسم ذاته،