حلبة عراك فكري إيديولوجي بين المفكرين والأدباء 'التقدميين' الاتحاديين، وأضرابهم الاستقلاليين 'اليمينيين'، (محمد زنيبر في مواجهة عبد الكريم غلاب، وأحمد المجاطي(كبّور لمطاعي) ضد حسن الطريبق، على سبيل المثال فقط). نارُ حرب توقد بين الدار البيضاء والرباط، فيما عبده، حتى ولو جلب الحطب، يبتعد بأصدقائه عن لفح النار، وفي هجير الأيام يدعوهم إلى فيء القلب، وخِوان في البيت ممدود أبدا للإخوان، فلم يتعكر صفو علاقتنا يوما رغم الهجير، ولا أحسست بأحد قريب مني في الرباط، وإن تباعدنا، مثله، ولا فكرتُ في اللجوء إلى غيره وقت الشدة. حسبي أن أذكر حادثة واحدة، ونحن معا أعضاء ذلك المكتب المركزي، إذ في سنة 1974، وعقب موجة اعتقالات حصدت مناضلي الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، بالبيضاء خاصة، وجدتني، ولم أكن سياسيا محترفا، مساقا معصوب العينين إلى زنازن الرباط حيث قضيت وقتا نسيته، ثم أخلي سبيلي في شارع ما من العاصمة وأنا على حال لا مثيل لها من الجوع والبهدلة، ومن حسن الحظ حافظت على ذاكرتي فيما تشوشت ذاكرة آخرين، فاهتديت مباشرة إلى شارع علال بن عبدالله، إلى عبده في 'العلم' الذي أطعمني وكساني وهداني إلى السبيل.
والحق أنه معلمة الرباط، ومنارتُها بالنسبة للأدباء وكتاب المغرب من كل الأصقاع، بل للعرب جميعا. أحسب أن حظوته تأتت بعد لطيف شمائله من كونه لم يغال يوما في انتماء، ولا تحصّن أو تحجّر في موقع، حتى وهو صلب، ثابت العقيدة. لقد كان من السهل، حد النزق، وما يزال، تصنيف الناس إلى انتماءات وولاءات شتّى، ومن ثم التعامل معهم وبينهم على هذا الأساس، قبولهم أو نبذهم بحكم مسبق لا دخل للصفة الإنسانية فيه.