هؤلاء الأعلام كلهم من معاصري أبي العباس، وجميعهم من جراوة، وعامتهم من كبار الأعلام في زمنهم. لذا، فليس من المستغرب أن ينبغ في جراوة شاعر كبير كأبي العباس.
والعجب بعد هذا من يصدق الحكاية التي ترددت في غير موضع، وساقها ابن خلكان بهذه العبارة:
"المقصود من ذكر هذا الأديب، يعني أبا العباس الجراوي، أنه كانت له نوارد وملح مستظرفة عند أهل الأدب، فمن ذلك أنه حضر يوما إلى باب دار الأمير يوسف، وهنالك الطبيب سعيد الغماري. فقال الأمير يوسف لبعض خدمه: انظر من بالباب من الأصحاب. فخرج الخادم إلى الباب، ثم عاد إليه فقال: من عجائب الدنيا شاعر من جراوة، وطبيب من غمارة، فبلغ ذلك الجراوي فقال:"وضرب لنا مثلا ونسي خلقه"أعجب منهما، والله، خليفة من كومية. فيقال إن الأمير يوسف لما بلغه ذلك قال: أعاقبه بالحلم والعفو، ففيه تكذيبه".
وفي هذه الحكاية ما ينقضها من أساسها.
فأما نبوغ الجراوي في قومه جراوة، فقد رأينا عددا غير قليل من أبناء قبيلته ينبغون في الشعر وفي غيره، فلا يستكثر بعد ذلك على جراوة ظهور شاعر فيها.
هذا إلى أن الحكاية إنما يراد بها النيل من الخلافة الموحدية التي ينهض بها أفراد غير قرشيين ولا حق لهم فيها، حسب ما تقرر.
ثم، إن أبا العباس وهو الرجل الذي عاش في البلاد، وعاين شؤون السياسة من قرب، لم يكن من الغباء ليطعن أحد الأركان الأساسية لدولة