على الغزو عندما ترفع من همة الممدوح، فتجعله أكثر اعتزازا، وأكثر استعدادا لتحقيق ما هو أفضل، شأنها في ذلك قصائد ابن الخطيب.
ولكن المتنبي يضمن قصائده تلميحات حركية بإقحامه لنفسه داخل هذه القصائد، مما يجعلها دائما متحركة لا تكتفي بالوصف، أو تقتصر عليه، بينما قصائد ابن الخطيب، رغم ما سبق، فهي جاثمة، تكتفي بالوصف، ولا تقحم فعالية صاحبها وشخصيته ..
ثم إن قصيدة المدح عند المتنبي، هي قصيدة نسبية. وذلك لأنه يريد أن يحقق لنفسه ما لم يحقه، أو ما يتعذر تحقيقه. أما ابن الخطيب، فيضفي على قصائده صفة الكمال. فممدوح ابن الخطيب إنسان مثالي، وإذا ما قرأنا قصيدة المدح يخيل إلينا أنه لم يترك شيئا لممدوحه القادم.
6 -عندما نتحدث عن شعر ابن الخطيب تتبادر إلى أذهانها مباشرة هذه الرقعة الضيقة التي تضم الأندلس والمغرب، أي نضع شعره داخل إطاره الجغرافي المحدود. أما شعر المتنبي فلا نتصور فيه هذه الحدود الإقليمية، بل هو شعر استطاع خرق الحواجز الإيهامية، ومن ثم نتحدث عنه لا كشيء إقليمي، بل على الصعيد العربي ككل.
وقبل الانتقال إلى جوهر التجربة في قصائد المديح لا بد من أن نخصص لابن الخطيب هذه الصفحة، وذلك بما يتفرد به شعره من قضايا شكلية لا تسمح لقارئ شعره أن يغفلها، وأعني بذلك، كثرة التضمينات للآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، والأبيات الشعرية، ثم بما يلاحظ من كثرة التكرار داخل القصيدة الواحدة وغيرها، كالإكثار من الجناس، وبعض المسائل التقنية كلغة الألغاز، ولغة الحساب، إن جاز تسميتها بذلك، ثم كيف يوظف بعض المصطلحات النحوية توظيفا خاصا.