الأعمال النظيفة، بينما هم يضعون إخواننا في الأعمال الحقيرة، ويفرضون عليهم ما فيه إذلال وتحقير لهم ... أرأيت النفوس الخبيثة؟!
احمرت عينا الرشيد الواسعتان، وزاد محجراهما بروزا، وكسا الغيظ وجنتيه السمراوين بحمرة كالحة، وسمع لأسنانه صرير، وارتعدت جميع أعضائه من شدة الانفعال ... وبذلك لم يعد له من رغبة في البقاء في النزهة المقامة على شرفه، وريثما يتهيأ جمع أدوات النزهة للعودة، أخذ الرشيد يتجول وحيدا بين الأشجار والغيظ آخذ منه مأخذه ...
(هرون بن مشعل) أمسى متهيأ بعد العشاء لاستقبال ضيوفه وزواره، من حيث أحاط نفسه بالوسائد والمتكآت وأمامه موائد حالفة بصحون الفواكه والنقل والمخللات وقنينات خمر (ماحيا) ، يأكل من هذا وذاك، ثم يقبل على الشراب يفرغه في جوفه إفراغا، إن بطنه الكبيرة المتدلية حتى لتكاد تغطي ركبته وتلامس الأرض من الجانبين في حاجة إلى المزيد ... فلا عجب إذا كان الوجه طافحا بالرضى والبشر، توشك الدماء أن تنفجر من مسامه، بدل العرق الناضج، هذا الوجه التام الاستدارة البارز وسط شعر اللحية الغزير المسترسل على الصدر والمتشابك مع وفرة الرأس السوداء الفاحمة السواد، بل إن الشعر يطل من المنخرين ملوثا بلطخات السعوط، ومع ذلك فمنظر هرون غير منفر، لما يرتديه من ثياب جميلة ثمينة جدا، جديرة بمن يستقبل علية القوم الواردين من طنجة وسبتة ومليلية ومن بلدان (البر الآخر) .
إن أقواما غرباء اللباس، مختلفي اللغات، يفدون على قلعة هرون بن مشعل ويختلون به وراء الأبواب المغلقة مددا طويلة، وقد يقضي الليل في مناقشتهم، مستعينا إذا لم يكونوا عارفين باللغة العبرية بابنته (زليخا) .