والتعلق به أن أعلن البربر والعبيد بيعته في مكناس وزرهون، وخطبوا باسمه، وكان هذا أول امتحان يتعرض له الخليفة الشاب، فغلب الوفاء والإخلاص لوالده وملكه، وعالج الأمر بحكمة ورَوِيَّة، فرفض بيعتهم وسعى لإصلاحهم، وقدم بنفسه إلى مكناس واتصل بالمنشقين، وما زال يقنعهم حتى حملهم على طاعة والده، وردهم إلى بيعته، وتوسط بينه وبينهم لمسامحتهم.
على أن أعماله وأمجاده في أثناء خلافته لم تقتصر على مراكش ونواحيها، بل امتدت رحلاته وإصلاحاته إلى كل من أكادير، والعدوتين، والقصر، وأغلب مدن الشمال متنقلا من بلد إلى بلد، ومن إقليم إلى إقليم، متفقدا متعهدا، يجمع الشتات، ويرعى الشؤون، حتى بلغ صيته الآفاق، وأجمع على حبه الخاص والعام.
محمد الثالث الملك:
في جو مليء بالفوضى والاضطراب، حيث أخذت رؤوس الفتنة تظهر هنا وهناك، واضطرب أمر الأمن بالبلاد، وانتشر التذمر في الصفوف، وسئم الناس الحرب والتطاحن، واشتاقت نفوسهم إلى الاستقرار والطمأنينة، في هذا الجو، التحق المولى عبد الله بالرفيق الأعلى، وبويع سيدي محمد بن عبد الله ملكا للمغرب، وقد أقبلت عليه الأقاليم والقبائل قاطبة، مبايعة راضية طائعة، لكونها رأت فيه الرجل القوي، الذي يستطيع قيادة سفينتها إلى شاطئ النجاة، ويخلصها من الفرقة، وينقذها من الفتنة، ويوفر لها الرخاء المقصود، والأمن المنشود.