ولم تقف همته عند هذا الحد، بل كان يأمر العلماء بالتأليف في التفسير والحديث وغيرهما، ويرغبهم في ذلك ويشجعهم عليه، فقد كلف ثلاثة من العلماء بشرح «مشارق الصغاني» حيث شرح الشيخ التاودي بنسودة ثلثه الأول، والشيخ عبد القادر بوخريص الثلث الثاني، والحافظ إدريس العراقي الثلث الأخير، إلا أن الموت تخطفه ولم يمهله لإتمام عمله، فقام ولده عبد الله بإتمام شرح والده حتى جاء الشرح في عدة أسفار.
كما كلف الشيخ التهامي بن عمرو بشرح الأربعين النووية، والأديب الغزال بتدوين رحلته إلى الأندلس، فكتبها وسماها «نتيجة الاجتهاد» ، وأمر ابن عثمان بكتابة رحلته الحجازية فكتبها وسماها «إحراز المعلى والرقيب» .
ولم تقف همته العالية ونفسه الأبية عند هذا الحد، بل ربط الصلات مع علماء المشرق وكتابه، وخاصة علماء مصر وكتابها، وعلماء آل عثمان، وكان يكاتبهم ويراسلهم، حتى امتدت إليهم كتبه ورسائله وهداياه.
ومن أعظم ما يذكر في هذا الباب، الهدية التي تلقاها من السلطان عبد المجيد، وهي عبارة عن سفر واحد، يشتمل على صحيح البخاري، ومسلم، والموطأ، والمسانيد الستة، والشمائل، وعمل اليوم والليلة، وقد جمعت هذه الكتب كلها، في سفر واحد فرح السلطان به كثيرا.
على أن الملك محمد الثالث لم يقتصر على محبة العلم، وتكريم العلماء، وجمعهم ومناقشتهم، وتشجيعهم على التآليف، وترغيبهم فيه، بل قام هو نفسه، بتأليف كثير من الكتب بمساعدة علماء حضرته، حيث خلد بالخزانة العلمية المغربية مؤلفات تشهد بطول باعه، وعمق معرفته.