صيحات تتالى في نبرات محزنة فضية تشع من حرفين (ب) على فقيد التصوف الكبير، اذ يبث في بحر مجزوء هو اقرب إلى النثر منه إلى الشعرـ، وقيل عنه: انه (حمار الشعراء) ونغماته لا تلائم مقتضى الحال، لكن شاعرنا لم يتصنع ويتكلف في اختيار الوزن الموائم فقد أطلق العنان لقلمه وسكب الانفعال المضطرب في بحر الرجز المجزوء من غير أن يفكر في أنواع البحور.
وتتابع الأيام دوراتها السريعة في محيط الزمن الهادر، فيدق ناقوس الفرقا دقات الفزع، يزمع الشاعر رحيله ويودع الأهل والخلال لينطلق إلى العالم الآخر ويرقد في جوف رمسه بين الصخور الصم بعد أن عاش شاعرا صداحا تعزف قيثارته أعذب الأغاريد، مستغرقا في نشوة علوية يقتات من النفحات السرمدية، ويتملى بمشاهدة موكب السنا والضياء فيحمل ذلك الشعور الأسمى إلى الكلمة والنغم كيما ينسجان شتات الشرايين الممزقة وذوبان القلب الثامل .. ووافته شهدتها ليلة الأربعاء فاتح رجب سنة 1127هـ، وسجي قرب روضة الشيخ عبد الله بن احمد خارج البراذعيين بمكناسة الزيتون، وما يزال قبره قبلة الزاوار وكعبة الرواد يرمز إلى قيم الخير الخالدة المحملة باللفتات الأبكار والخواطر اللاهية خلف عقبا ببلاد زعير، يدعون القادريين.
(1) الري: اصطلاح تصوفي، وهو أعلى درجة من حالتي الذوق والشرب.
شاعر الحمراء محمد بن إبراهيم