كانت تحمل طابعا سياسيا أو تقدما عمليا، وهكذا احتفظت دولة الحماية بالتعليم القديم، ثم تعقيمه، ليضمن بقاء الجمود الثقافي المغربي، وألجأت النشء إلى لغتها لمصلحتها، ولم تجد العائلات المغربية بدأ من الاستمرار في توجيه أبنائها بهذه الطرق الروحية العتيقة، ومن ألجأت أبناءها إلى لغة الدخيل كانت في أول الأمر موضع نقد وسخط شديد لدى عامة الشعب لاقترافه جرم تعلم لغة المستعمر المعتدي.
وفي هذا الجو القاتم ظل شاعر الحمراء على الحياة، وفي وسط عائلة محافظة، فكان حظه منها أو من أبيه على الخصوص أن يوجه ابنه توجيها دينيا، حيث كان للآباء السلطة المطلقة في توجيه أبنائهم، حسب الأعراف والعادات التقليدية المغربية، وكان الذي أكد رغبة الأب في هذا الاتجاه أيضا ما كان يشاهده وهو يتردد على حلقات الدروس الدينية بمختلف مساجد مراكش، فهو يريد من ابنه أن يصبح كأحد هؤلاء العلماء الذين يتلقون انحناآت التقدير والإكبار، وقبلات الأيدي ظاهرا وباطنا من لدن الطبقات الشعبية، وفي صباه أرسله إلى المكتب ليحفظ القرآن ويرتله ترتيلا، وبعد أن استظهر حفظه، أخذ في حفظ متون العلوم، ليدخل إلى جامعة ابن يوسف، وانتقل منها إلى جامعة القرويين بفاس، وحين رسخت قدماه في العلوم الشرعية من فقه ونحو وبلاغة وتفسير وحديث ظهر ميله فجأة وفي سن باكر شغف الأدب وتعاطيه، فعكف عندئذ على دراسة النصوص الأدبية ودواوين الشعراء وظهر مع هذه الميول مباشرة تخوف أبيه الذي لم يأل جهدا في تقويم ابنه واتجاهه نحو ما يراه صالحا، ولكن الجاذبية الأدبية انتشلت الغبن، وراح ينتقي دواوين الشعراء، وكتب الأدب، فكان ضمن خزانته الصغيرة ديوان المتنبي والبحتري