ولزوميات المعري وديوان ابن هاني وغيرها وجاشت نفس الشاعر بالأدب، فترددت قطع شعره في المحافل الأدبية ولم يكن للأب حول على تحول ابنه، فأدغن للواقع، طاوي النفس على ألم وحسرة، إلى أن وفاه الأجل المحتوم، وعندئذ تنفس الصعداء لا تحللا من حياة والده ولكن من الرقابة الصارمة التي فرضها عليه طبقا للبيئة المغربية التي بقي أثرها جليا في زي الشاعر التقليدي فلم يبارح جلبابه وعمامته ولحيته مدى الحياة، وهكذا انطلق ينظم الشعر، وينشد به في المنتديات، وبين أصدقائه، إلى أن اشتهر شهرة تجاوزت حدود المغرب، فكان لهذه الشهرة صدى بعيد في الأوساط السياسية، تمخضت عن اقتناص الشاعر، والوقوع في حبالة التهامي الكلاوي فكان طبيعي أن يختنق الشاعر، وأن يسلك اتجاها خاصا في شعره، حسبما تمليه ظروف الحماية، فراح يتردد على بيت الكلاوي، وهو الشاعر العاطل ليستفيد من نواله وثروته الهائلة، واتخذ من الشعر حرفة التكسب التي اقترفها عدة شعراء قبله، فهذا أحمد المتنبي مدح كافور الأخشدي لنفس الغاية، ومدح شوقي الأتراك اقتفاء بسابقيه، وإذا كان هناك فارق اجتماعي وسياسي بين الشعراء الثلاث، فلا ينبغي أن نغفل الحدود والظروف التي عاشها شاعر الحمراء، ففرنسا اقتطعت مدينة مراكش لمطاوعها الكلاوي وهي العاصمة السياسية الأولى لتاريخ المغرب، ومنع عقد الحماية المشئوم، فيجب عليه إذن أن يضمن بهذه المدينة كل بادرة أو حركة سياسية وضمنها رقابة الشاعر الذي اشتهر وهو ذو اللسان الحاد، الذي يمكنه أن يسلق به طائفة ويرتفع بأخرى إلى العلياء ورغم انسياق الشاعر في إطار سلبي فإن كوامن باطنية كانت تختلج وراء جوانحه وداخل قعره، لم يستطع التعبير