ومن هذه النبذة الخاطفة نتبين في وضوح ما كان لعمليته المتينة من الميل الطبيعي لدراسة الفلسفة وعلوم النفس والعطف الخاص على كل علمائها الودود بقارع الحجة عن آرائهم المستقيمة وابتكاراتهم الصائبة في تأييد من الكتاب والسنة ما وجد لذلك سبيلا.
علاوة على ما كان لاطلاعه الواسع في العلوم الدينية والأدبية والرياضية وسوها من المشاركة الكافية التي كونت من شخصيته مثال العبقري النادر، يطرق الفن فيهضمه هضما ويركب صعبه فينقلب عن كثب سهلا ذلولا، ومتى ما اعتصت عليه بعض جزئياته، ووقفت تجاهه موقف الأشكال- قام قومه الصنع اللبق لحلها مبددا غيوم الهوس والشك المساورين مندفعا لوضع جزء خاص حول المشكلة، وكمله في هذا النوع من جرات لا نرتاب أن تكون نتيجة الشك. وفي المثل (أهتك ستور الشك بالسؤال) ولا يعزب عن بال المطلع، أن الشك أساس اليقين، ومن لم يشك لم يؤمن، فالشك عنصر من عناصر الدقة، وسلم الاستطلاع والوقوع على الحقيقة، وبالصدف عن فكرة الشك ينشأ الرضى بالتقليد وينطبع في النفس الميل إلى التواكل، والخمول، وما إليهما من صفات الخنوع القاضية على حرية التفكير وانطلاق الضمير.
ما عاش من عاش مقيدا- ولا ننسى دروسه التفسيرية التي كان يبعثها على جناح الأثير المغربي في ثاني الربيعين من سنة 1360هـ بطريقة الاختيار لأي من الذكر الحكيم تارة في الأحكام وأخرى في القصص وآونة في الكون والطبيعة، ففي التشريع ينشر آراء الأئمة ومذاهبهم في كل فرع والإدلاء بكل من النصوص القائمة والحجج الناهضة دون أن ترى