وقرر في ضوء ما عرف من قران وسنة، قلت صاحب فكر ونظر، ولم اقل صاحب رأي لان كلمة رأي في مدلولها الفقهي يتباين مدلولها تباينا كبيرا تبعا للعصر الذي استخدمت، وهو أمر لم يفطن إليه كثير من المحدثين، فاختلط عليهم الأمر، واهتزت أمامهم الصورة، فاستخدموا الكلمة حيث لا تؤذي المعنى المراد، ولا تومئ إليه من قريب أو بعيد، فليس يطلق على من حرر نفسه من المذاهب، والتمس طريق النظر الحر انه صاحب رأي، وإنما تطلق كلمة"الرأي"على طريقة في التشريع والاستنباط، لها قواعدها ونظمها، وان كان صاحبها ملتزما مذهبا محدد، لا يخرج عنه ولا يحيد.
لم يكن عزوف يحي بن مضر عن التقليد، ووضعه لنفسه موضع العارف القادر على الاستنباط، مرده تحيفا لعلم مالك، أو جورا على أستاذيته، أو استهانة بما أخد عن الثوري، فقد كانت الصلات في ذلك العصر، تقوم بين الطالب والأستاذ، على أسس من التقدير المتبادل، والإعجاب المتجاوب، بين المعطي والأخذ على السواء، إنما كان مبعثها اعتداد أصيا في نفس يحيى بن مضر، جعله يعرف لنفسه حقها، لا يبخسها قدرها، ولا ينزل عن مستواها فهي في المقدمة حيث ينبغي أن تكون، متساوية مع أندادها، لا يبطرها غرور، ولا يقعدها عن التسامي عجز، صريح أو مرتد ثوب التواضع المكذوب ولقد كان دوره في الحياة العامة كذلك، فأخذ من الحياة السياسية الايجابية نصيبا موفورا، ولقي الله مصلوبا في"هيج الربص"عندما ثار الفقهاء على الحكم الأول (10) كان يحيي الليثي يوق أستاذه ويكبره، ويعجب بصلابته في الحق ويحتفظ به بذكرى عطرة، وبولاء خاشع جليل، ولم يكن يحي الطالب هو وحده الذي نجب من بين