فهرس الكتاب

الصفحة 15290 من 29568

وبقي طالب وحيد، أكان يحيى قد رأى الفيل من قبل؟ لا أظن، ومع ذلك فقد بقى في مكانه لا يتحرك، ولم يلحق بالعاجلين لرؤية الوافد الجديد؟، و أخد مالك بحرص طالبه، وبوقاره في سن مبكرة، قد تتصف بكل شيء، إلا ذلك اللون الهاديء من الوقار:"مالك لم تخرج لترى الفيل وليس في راح يتملى ملامح الطالب الأندلسي، ويرقب انفعالاته يحاول ان يستشف ما يخالجه من مشاعر، وما يعتلج في داخله ن أحاسيس، ولم يطل الجواب بمالك، لقد جاءه من طالب علم حقا".. إنما جئت من الأندلس لأنظر إليك، واقتبس من هديك، أرشيف من علمك، ولم أكن أنظر إلى الفيل" (14) ، ومن تلك اللحظة أعجب الشيخ بطالبه فسماه"عاقل الأندلس"، وإنها للغته تستحق أن يقف عندها الباحث طويلا، أن يقف عند الأستاذ وعند التلميذ على السواء."

في القصة أو ضح وأدق ما عرفت التربية في مضمونها الحديث، وفي أبحاثها المتخصصة العميقة، حيث يعكف عليها دارسون ومجربون، وحيث يستعان فيها بالمعامل والآلات وبالإحصاء والتجارب والمخابر، وبالعديد من الأبناء والبنات.

لفتة طيبة من الأستاذ، فمن خبرته في غير معهد ومن تجاربه في غير معمل، ومن غير حصول على إجازة، أن درسه مهما يكن فيه من العلم ومن النفع، ومهما يكن طلابه من الانكباب على الدرس، ومن الحرص على الفائدة، فان الجديد ملفت، وان التروح معيد للنشاط، وقد يبقى الطلاب قسرا في مجلسه، ولكن قلوبهم أكيدا ليست هناك.

نفس ما تقرره التربية الحديثة، بعد عشرة قرون أو تزويد، فالأستاذ الواعي عند ما يرى طلابه قد انصرفوا الى جديد عابر، هربا من قديم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت