متعود، عليه أن يشاركهم أو يشجعهم، لان معارضته لا دوى منها، غير إحراج الصدور، وإيغار القلوب، وكذلك فعل مالك ...
وإذا كانت هذه تدخل لمالك الأستاذ في باب الحسنات، بل ترفعه إلى منزلة الخبير بنفسيات الطلاب، العليم برغباتهم، فإنها كذلك، لتجعل من يحيى الطالب، وقد قطع مهامه القفر، ومفاوز الصحراء، ليرى عالم المدينة، يستمع إليه، ويتعلم من فقهه، إلى مرتبة الطالب الجدير بما نعته به أستاذه، مما أصبح ترويها كتب التاريخ ... عاقل الأندلس.
وكلمة عاقل هنا، لا يقصد بها المعنى الحرفي لكلمة، حين تجرد من أشعاعها البلاغي لحياتي، فلا يقصد بها ذكاء أو النباهة وما إليهما من الدلالة على القدرة الكاملة للتصرف، ومواجهة أزمة طارئة أو ثابتة من مشاكل الحياة، وهو المعنى الذي فهمه كل المستشرقين، حين ترجموا هذه الكلمة إلى ما يعادل يحيى الذكي (15) ، وانه لفارق كبير بين عاقل وذكي في إشعاع التعبير، فالأول عادة تكتسب والثاني فطري يجيء مع المرء، ولا حيلة له في دفعه أو في الحصول منه على أو في نصيب، وقد يكون المرء ذكيا جدا ولاشيء عنده من التعقل، وقد يكون محدود الذكاء ولكنه يملك من التعقل الشيء الكثير.
فالمراد"بالعاقل"في تعبير مالك، التخلص الإرادي من نزق الطفولة ومن طيش الصبا، واخذ الأمور بمأخذ الرجولة الكاملة، والنضج الذي يقدر للأمر قبل الخطو موضعه، فلا يخف أو يسف في موضع يتطلب الرزانة والثبات، وهي صفة اثلت يحي في كل حياته فيما بعد، أنه أهل لها، وإنها تمثل من حياته الجانب الأظهر، أو التصرف الأكثر ورودا، عندما يطلب إليه الرأي